لا توجد إحصائية جامعة ومؤكدة ولا حتى مخمّنة لأعداد الذين حبسوا أنفاسهم حول العالم أمس في مراقبة قفزة فيليكس. لكننا يمكن أن نرى بيننا من خفق قلبُه بشدة خوفاً على سلامة المغامر النمساويّ الذي قدّم تضحية علمية دقيقة، وترقّباً قلِقاً حتى وصل إلى الأرض ووقف على قدميه.
نجحت المغامرة، وأثمرت التضحية عن كسر رقم قياسي، وتحققت سلامة المغامر، وفاز العلم والإنسانية. وأضافت البشرية إلى علمها علوماً جديدة، أهمّها أن العلم نفسه هو ـ في ذاته ـ يبقى ضمن دائرة المعرفة، وليس ضرورة أن يبقى إلى الأبد ضمن دائرة الحقيقة.
عرّض فيليكس حياته لاختبار خطر جداً، اختبار كانت القوانين الفيزيائية ترى أن الجسد البشري لا يمكنه أن يصمد أمام الظروف الفلكية التي صمد فيها جسد فيليكس. كانت القوانين معرفة بشرية، وبعد نجاح المغامر أضيفت معارف جديدة كان العلماء لا يرونها.
قدّم فيليكس جسده ليقدّم للبشرية حقيقة هي أن هناك أموراً قبل فيليكس وأخرى بعد فيليكس. تماماً مثلما قدّم نيوتن حقيقة ما قبل الجاذبية وما بعدها، ومثلما قدّم كولومبس، ومثلما قدم ابن خلدون، ومثلما قدّم البيروني، وقبلهم كلهم؛ مثلما قدّم أرسطو وأفلاطون. والبشرية في تاريخها مهيأة لتغيير معرفتها بحثاً عن الحقائق، وقد تتوصل إلى قانون في مرحلة من المراحل العلمية، ثم تأتي أجيال أخرى فتكتشف ثغراتٍ في هذا القانون، وربما نقضته بمعطيات جديدة لم تكن تخطر على بال أحد من جهابذة العلم ذاته.
ويبقى البحث عن الحقيقة حقاً علمياً بشرياً، وتبقى الجدية في استخدام أدوات إثباتها قائمة لدى الجادين المشغولين ببناء قناعاتهم على أسس راسخة.
ولكنّ ذلك لا يعني أن الحقيقة منحصرة فيما يمكن تحصيله في العلوم التجريبية والمادية. فهناك جوانب من الحقيقة لا يمكن إثباتها بأدوات البحث المادية. ونحن ـ المسلمين ـ لدينا مصادر معرفية غيبية نحترمها ونبني عليها عقائدنا الراسخة. وهذه المصادر ذاتها تدعونا إلى التسلّح بالمعرفة والعلم الماديين على النحو الذي لا يتعارض وتوحيد الله أو خدش مقدسات العقيدة.خلاصة التجربة التي مرّت بها البشرية أمس، يحضنا ديننا الحنيف على ملاحظتها والتدبّر فيها، لأنها جزء من فهمنا العلمي للكون وقوانينه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣١٦) صفحة (١١) بتاريخ (١٥-١٠-٢٠١٢)