أصدرت هيئة الأوراق المالية الأمريكية Security and Exchange Commission يوم الأربعاء الموافق 25 أغسطس 2012م قراراً بإلزام الشركات الأمريكية العاملة في مجال النفط والتعدين بالإفصاح عن الأموال المقدمة للهيئات الحكومية في جميع دول العالم. ويهدف القانون كما جاء في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في 22 أغسطس 2012م إلى الحد من الفساد المنتشر في بعض الدول الرئيسية المنتجة للبترول. وسينطبق هذا القانون على 1100 شركة أمريكية تعمل في مجال النفط والتعدين. ولقد حاولت القوى التي كلفتها هذه الشركات بإبطال القانون جهدها، لكن التصويت في مجلس هيئة الأوراق المالية جاء لصالح القانون بنسبة 2 : 1 وتعد الهيئات المدنية والحقوقية الداعية للشفافية والحد من الفساد أن هذا القانون هو انتصار للنزاهة وكبح ما تقوم به شركات البترول من تقديم رشاوى للمواطنين العاملين في الهيئات والشركات الحكومية في الدول المنتجة للنفط. واستناداً إلى هذا القانون فقد اعترفت شركة تايكو إنترناشيونال Tyco International لوزارة العدل الأمريكية وهيئة الأوراق المالية بأنها قدمت رشوة لموظفين في شركة أرامكو السعودية للحصول على عقود لشراء معدات من الشركة الأمريكية. وقد دفعت الشركة مبلغ 25 مليون دولار أمريكي تذهب إلى الخزينة الأمريكية لإنهاء القضية في المحكمة بالصلح. شركة أرامكو السعودية، وحسب نفس المصدر أوقفت تعاملها مع الشركة وبدأت في التحقيق في العقود التي أبرمت مع الشركة بين الأعوام 2003 – 2006م كما ذكر أن شركة أرامكو طلبت معرفة أسماء موظفيها الذين قدمت لهم الشركة الأمريكية تلك الرشاوى. ما ذكرته حتى الآن هو نقل لأخبار مؤكدة ومعلنة على العالم ومن مصادر موثوق بها. قد لا نعرف التفاصيل أما جوهر الموضوع ولبه فهو أمر مؤكد. وعلى هامش الخبر ومن محيطه أقول:
أولاً: شركة أرامكو السعودية شركة حكومية تحتكر كل ما يتعلق بقطاع البترول والغاز السعودي، من استكشاف واستخراج ونقل وتصدير. وتملك من الدعم السياسي ما يجعلها مستقلة عن كل الأجهزة الرقابية والمالية بما في ذلك وزارة المالية وديوان المراقبة، وإن كانت هنالك من علاقة فهي علاقة اليد العليا مع اليد السفلى. البترول وما يتعلق به هو عصب الحياة الاقتصادية لهذه البلاد وعمودها الفقري، وأن يوضع مصير الأمة الاقتصادي ومستقبلها في يد وزارة وشركة فإن ذلك أمر فيه مخاطرة كبيرة بمصالح الأمة. أنا لا أستطيع أن أتهم أحداً كما فعلت وزارة العدل وهيئة الأوراق المالية الأمريكية، فليس لدي معلومات تؤهلني لمثل هذا الإدعاء ولكنني أستطيع القول استقراءً للتاريخ بشكل عام وتاريخ شركات البترول الحكومية بشكل خاص أنه عندما تجتمع السلطة المالية والتنفيذية في يد والاحتكار وضعف الرقابة المالية في اليد الأخرى، يكون ما بينهما أرض خصبة للفساد. في اعتقادي أن شركة أرامكو لم تباشر التحقيق فيما أعلنه القضاء الأمريكي من اعتراف شركة تايكو إنترناشيونال بأنها قدمت رشوة لثلاثة من موظفي أرامكو، إلاّ لأن الفضيحة قد أعلنت على رؤوس الأشهاد ومن مصادر قضائية وبالتالي فإنه لا بد مما ليس منه بد.
ثانياً: علاقة البترول السعودي منذ اكتشافه بالشركات الأمريكية علاقة ممتدة على مساحة كبيرة من هذا القطاع الحيوي، ذكرت جزءاً منها في كتابي عن المرحوم عبدالله الطريقي وزير البترول السعودي الأول وجهوده الوطنية ومحاولاته الحثيثة في تعديل المسار لتحقيق شيء ولو قليل من العدالة في استغلال هذه الشركات للنفط السعودي. لذا فإن على وزارة البترول أو ذراعها البترولي التنفيذي، شركة أرامكو، أن تطلب من هيئة الأوراق المالية الأمريكية، أو وزارة العدل الأمريكية تطبيق قانون الإفصاح الجديد على شركات البترول والتعدين الأمريكية بأثر رجعي، لكي نعرف الحقيقة ونكشف ولو النزر اليسير من عمليات الفساد والرشوة والاستغلال التي تتناقلها التقارير والدراسات.
ثالثاً: إن الفساد الذي تبحث هيئة سوق المال الأمريكية ومعها وزارة العدل الأمريكية عنه في ملفات شركات البترول الأمريكية المتعلقة بالأموال التي دفعتها للرشوة والاستغلال في الدول الرئيسية المنتجة للنفط، وقع ضرره من الناحية المادية على الدول المنتجة للنفط ، مثل المملكة العربية السعودية، فالرشوة سهلت للشركة الحصول على العقود بثمن بخس أو لأن هذه الشركات غير مؤهلة فنياً لأداء العمل. لذا فإن ما يتم الحصول عليه من أموال من هذه الشركات عقاباً لها على الفساد، يجب أن يوزع بين خزانة الدولة التي وقع عليها الغش والفساد، كما هو حال المملكة في قضية شركة تايكو وبعض موظفي أرامكو، وبين الخزانة الأمريكية التي عملت مشكورة على انتزاع الاعتراف والمال من الشركات التي مارست الرشوة والفساد.
رابعاً: من باب أن الوقاية خير من العلاج، فإن على الحكومة السعودية المباشرة في فك أوصال هذا الجسم الضخم المسيطر على قطاع النفط والغاز السعودي -شركة أرامكو السعودية- وفصل ملكية الثروة البترولية المتمثلة في الاحتياطيات من البترول والغاز تحت الأرض أو التي لم تكتشف، إن بقي شيء لم يكتشف، عن الشركة ووضعها تحت هيئة وطنية للنفط (الهيئة الوطنية للنفط) يتم إنشاؤها لهذا الغرض ويكون لها مجلس محافظين من المواطنين وأهل الاختصاص المشهود لهم بالنزاهة والأمانة والمعرفة بشؤون النفط وإدارته. وترتبط الهيئة الوطنية للنفط مباشرة بجلالة الملك، وتقدم تقريراً سنوياً مفصلاً عن حجم الموارد البترولية المتاحة ومعدل الزيادة والنقصان السنوي. وتقوم الهيئة بتأجير استغلال حقول النفط والغاز لشركة أرامكو بعد تحويلها إلي شركة مساهمة تملك الدولة جزءاً من أسهمها ويعرض الباقي للاكتتاب العام لجميع المواطنين كما تنشأ شركات بترول وطنية مساهمة أخري للمنافسة وكسر الاحتكار الذي تتمتع به شركة أرامكو اليوم. عندها يقتصر دور شركة أرامكو ومعها شركات النفط السعودية المساهمة الجديدة على إنتاج الغاز والبترول من الحقول المؤجرة لها من الهيئة الوطنية للنفط حسب الشروط والمواصفات المحددة في العقد.
خامساً: تخضع جميع العمليات التجارية وغير التجارية للنفط، سواءً المنوطة بالهيئة الوطنية أو تلك الخاصة بشركات الإنتاج مثل أرامكو وغيرها، لرقابة محاسبية ومالية من جهة اختصاص مستقلة وذات مهنية عالية يعينها مجلس الشورى حاليا، ومجلس الشعب مستقبلا إنشاء الله، لتكون الرقيب الذي يعينه ممثلو الأمة للرقابة على ثروة الأمة.
سادساً: سن قانون للإفصاح عن الرشوة المقدمة لموظفي الدولة والهيئات الحكومية في المملكة العربية السعودية من الشركات السعودية والأجنبية العاملة في المملكة يُفرض ويُطبق بشكل جاد وفعّال ويصاحبه إنشاء محاكم متخصصة في قضايا الرشوة والفساد، خارج النطاق البيروقراطي الحالي للمحاكم وإجراءاتها.
هذا الاقتراح بإعادة هيكلة شركة أرامكو مختصر له تفصيل وتعليل لا يتسع المقام والمقال لسرده فاكتفيت بما قل ودل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣١٦) صفحة (١٣) بتاريخ (١٥-١٠-٢٠١٢)