“المبادرة” التي عادت لتستحوذ على الأضواء مجدداً في الولايات المتحدة بعد عقد كامل، هي “مبادرة السلام العربية” التي أطلقها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت العربية عام 2002، و”المراوغة” هي الوصف الأمثل لمماطلة إسرائيل وتعنتها –حسب تعبير الملك عبدالله- حيث رفضت خطة السلام الشاملة التي طرحتها السعودية وكانت تكفل –ولاتزال- حق جميع دول المنطقة في العيش في أمن وسلام.
وبينما تبذل الدبلوماسية السعودية جهوداً غير مسبوقة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، واحتواء الأزمات المتفجرة والمستفحلة في المنطقة بسبب عدم حل القضية المركزية للعرب والمسلمين، تستنزف إسرائيل كل الفرص منذ مشروع الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز للسلام (المشروع العربي للسلام) في مؤتمر القمة العربي الذي عُقد في مدينة فاس المغربية عام 1982، وكان الأساس الذي انطلق منه مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
اللافت للنظر أنه بعد أن أوسع “نتنياهو” أمريكا (تهديداً) بمهاجمة المنشآت النووية في إيران (منفرداً)، تراجع عن ذلك القرار الذي اتخذه في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر الماضي، وقال: إن إسرائيل سوف تعطي الولايات المتحدة وبقية المجتمع الدولي الفرصة لوقف تقدم إيران بوسائل أخرى حتى ربيع أو أوائل صيف عام 2013. فما هي العلاقة بين “إحياء” مبادرة الملك عبدالله للسلام و”تراجع” رئيس الوزراء الإسرائيلي عن مهاجمة إيران الآن؟
بكلمة واحدة، مبادرة “الملك” التي تذكرها الجميع الآن وأصبحت طوق النجاة للمنطقة والعالم من كوارث محدقة، كشفت ألاعيب “نتنياهو” أمام معظم المراقبين الذين أصبحوا ينظرون إلى “هوس” إسرائيل بمسألة النووي الإيراني بوصفه مجرد (حيلة) لصرف الانتباه عن “القضية الفلسطينية”، وأنه قبل المطالبة بمهاجمة إيران لابد من تطمينات مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وأن السبيل الوحيد يمر عبر مبادرة سلام تعيد حل الدولتين إلى الحياة، مع تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وعندئذ فقط يمكن تأمين “الوفاق الدولي” الذي تحتاج إليه الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران.
هذا الكلام قاله بالحرف الواحد “شلومو بن عامي” وزير خارجية إسرائيل الأسبق، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس مركز “توليدو الدولي للسلام”، ناصحاً “نتنياهو” بأن سياسة الإهمال التي ينتهجها في التعامل مع الفلسطينيين أدت إلى تضاؤل عدد أصدقاء إسرائيل في المجتمع الدولي، فضلاً عن الشرق الأوسط. وهو هنا يستند إلى أحدث “تقرير” صدر في الولايات المتحدة قبل أسابيع قليلة عن (مشروع إيران)، وهي منظمة غير حكومية تأسست عام 2002، ويحمل هذا العنوان: “موازنة فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران”، ووقّع عليه أكثر من ثلاثين متخصصاً ومستشاراً في الأمن القومي الأمريكي من وزن “زبيجينو بريجينسكي”.
يقدم التقرير (في 56 صفحة) توصيفاً موضوعياً لبعض الشروط الأساسية للتفكير في استخدام القوة العسكرية ضد إيران، التي تحتاج إلى تحديد أهداف واضحة ترتبط بالمصالح العليا الأمريكية، ومدى إمكانية التوصل إلى حل سياسي دون استبعاد استخدام الخيار العسكري، حيث يكشف التقرير منذ البداية عن اختلاف كبير في الرؤية والأولويات والأهداف الاستراتيجية بين الحليفين التقليديين (الولايات المتحدة وإسرائيل).
ينظر نتنياهو إلى الحرب ضد إيران من منظور (عسكري متهور) وليس من منظور استراتيجي “جيو – سياسي” يراعي مصالح أمريكا كقوة عظمي –حسب التقرير- لم تجنِ من الشرق الأوسط المختل سوى الإحباط المتكرر عسكرياً ودبلوماسياً، كما أنه يقوّض التحول الأمريكي الاستراتيجي الجديد باتجاه آسيا ومنطقة الباسيفيكي (المحيط الهادئ)، ويخلص التقرير إلى أن الهجوم العسكري وحده ليس كافياً لضمان عدم امتلاك إيران القنبلة النووية (يؤخر برنامجها النووي أربع سنوات فقط)، وإنما لابد من تغيير النظام السياسي نفسه كحل نهائي للمشكلة، وذلك باحتلال إيران عسكرياً، وهو ما يستلزم تخصيص قدر من الموارد والأفراد أعظم مما استثمرته الولايات المتحدة في حربيها في العراق وأفغانستان مجتمعتين.
المشكلة الرئيسة التي تواجه أي عمل عسكري ضد إيران تتلخص في الحاجة إلى ضمان “شرعيتها”، ولن تضمن إسرائيل ولا الولايات المتحدة هذه الشرعية الدولية إلا من خلال مبادرة سلام حقيقية “سخية وجريئة” مع الفلسطينيين، وليس بالمراوغة أو التنصل من استحقاقات السلام في الشرق الأوسط بالتهويل من خطر النووي الإيراني، كما يقول “بن عامي” و”التقرير” أيضاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣١٨) صفحة (١٣) بتاريخ (١٧-١٠-٢٠١٢)