ضمن إحدى نوادر العقيد معمر القذافي في ثمانينيات القرن الماضي، كان يخطب في واحدة من المناسبات الكثيرة، في وقت كانت المعارضة الليبية تنشط في الدول الغربية وبعض الدول العربية، فأطلق العقيد سؤالاً للجمهور الذي كان يحمسه عناصر اللجان الثورية (المخابرات) وتراقب من لا يصيبه الجنون على الطريقة القذافية…سأل العقيد جمهوره: «شنو انديرو (ماذا نفعل) للكلاب الضالة اللي برا وجالسين يسبون ليبيا (يعني معارضي العقيد)؟». كان القذافي يقصد بالكلاب الضالة جماعات المعارضة..لم يترك الجمهور الذي تتم مراقبته من اللجان الثورية فرصة للعقيد أن يأخذ أنفاسه فعاجله بهتاف مدوٍ: «نقتلوهم..نقتلوهم»، أي نصفيهم جسدياً، وهذا ما أراده العقيد من ذلك الاجتماع الجماهيري، فواصلت المخابرات الليبية عمليات تصفيات قذرة لعناصر المعارضة تحت يافطة «التخلص من الكلاب الضالة!!».
لم يكن نظام القذافي هو النظام العربي والإفريقي الوحيد الذي كان يضع الخطط ويصرف الملايين من الدولارات لتصفية خصومه السياسيين، ويوظف شركات العلاقات العامة وصحفاً دولية من أجل تلميع صورته لدى الرأي العام العالمي وصناع القرار في العواصم العالمية الرئيسية، بل إن كثيراً من النظم العربية كانت تمارس ذات السلوك، وكثيراً منها وقع في خطايا قاتلة قادت إلى سقوط النظام أو دخوله في معارك مع العالم وظل يحارب الطواحين وحيداً. فقد كان ولايزال خطاب الكراهية الذي يبثه الإعلام الرسمي وأركان عديد من النظم العربية سبباً وجيهاً في تحريك المياه الراكدة تحت الجسر وبدء حملات محمومة من المنظمات الحقوقية العالمية وأحيانا بعض الحكومات في الدول الكبرى للمطالبة باحترام حقوق الإنسان في هذا البلد أو ذاك ولجم الانزلاق إلى قاع التحريض السياسي والمذهبي الذي تأكد بما لايدع مجالا للشك أنه خطاب تدميري بامتياز.
أذكر أنني حضرت خطاباً للعقيد القذافي مطلع العام 1983 بعيد الغزو الصهيوني للبنان، حضرته كل المعارضات العربية تقريباً، قال فيه إن كل الحاضرين الذين يبلغ عددهم نحو ألف معارض عربي..كلهم جيف. كان هذا القول بحضور رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حينها علي ناصر محمد. وعندما حاول عديد من الحضور الرد على الخطاب القذافي في اليوم التالي للمؤتمر، وجه أحد الحضور سؤالاً إلى عبد السلام جلود الرجل الثاني في القيادة الليبية وقتها، سأل: هل خطاب العقيد جزء من المؤتمر؟ التفت جلود يمنة ويسرى ثم أعلن رفع الاجتماع لصلاة الظهر مع أن الساعة كانت تشير إلى العاشرة صباحاً. صبيحة ذلك اليوم صدرت صحيفة الزحف الأخضر الليبية بمانشيت رئيسي حمل عنوان «يا جياب النجدة». وجياب هو القائد العسكري الفيتنامي الذي قاد حرب التحرير الشعبية ضد قوات الولايات المتحدة الأمريكية وهزمها في فيتنام الجنوبية ليحرر عاصمة الجنوب الفيتنامي «سايجون» ويرفع العلم على مبانيها… قالت صحيفة «الزحف الأخضر» نسبة إلى الكتاب الأخضر الذي أصدره القذافي وعده النظرية العالمية الثالثة بعد الرأسمالية والاشتراكية..قالت الصحيفة من السباب والشتم في المعارضات العربية ما يعرف اليوم بخطاب الكراهية والحقد، الأمر الذي قاد أحد رجالات المعارضة العراقية الذي ذاق السجون والتعذيب في مختلف حقب النظم العراقية من عبد السلام عارف حتى صدام حسين..قاده الموقف الدراماتيكي في طرابلس الغرب إلى تمزيق قميصه والكشف عن آثار التعذيب التي تلقاها على أيدي المخابرات العراقية في الحقب التي اعتقل فيها وتمكن صدفة من الهرب إلى الخارج ليعيش حسب توصيف القذافي «كلباً ضالاً» في المنفى!!
في مرحلة من الهستيريا وعدم التوازن توجه النظم غير الديمقراطية اتهامات لخصومها السياسيين وتحاول أن تشيطنهم مستعينة في هذه الخطوة الشيطانية بإعلام وصحف غير قادرة على القول لا بسبب الطبيعة التي تعيشها البلاد التي ينتمي إليها هذا الزعيم أو ذاك القائد الملهم. ومع الوقت، وحيث تغيب الشفافية ويضمر الإفصاح، تترسب مفردات ومصطلحات الكراهية لتحل محل التسامح والمساواة والقيم، فيواصل الإعلام الرسمي في خطابه التصعيدي التسقيطي ضد كل من له وجهة نظر، لتمتد العدوى إلى الأعلى الذي تتلبسه حالة من القناعة بأن مفعول مصطلحات كهذه يمكن أن تغني عن التفكير في حل مشكلة الإسكان أو الأجور المتدنية أو الفقر والبطالة وانهيار الخدمات التعليمية والصحية بسبب الفساد، ما يجعل هذا الجالس فوق كرسيه أن يصدق بأن وصفات الكراهية والحقد في الصحافة والإعلام والخطاب الرسمي يمكن لها أن تشطب الأزمة المستفحلة، لكنه يواجه بطوفان من الرفض الكامل الشامل، ليس لمصطلحاته التي تبثها الصحافة بكل أريحية فحسب، إنما لوجوده على الكرسي. وهذا هو الذي حصل في بلدان الربيع العربي وتلك التي تسير على هذا الطريق رغم أنها لم تحسم قضايا كثيرة وأهمها الإعلان الكامل والمقنع بالدولة المدنية الديمقراطية دون لف أو دوران.
خطاب الكراهية ليس خطراً على مطلقه فحسب، بل على المجتمع برمته..فاجتنبوه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٢٠) صفحة (١٣) بتاريخ (١٩-١٠-٢٠١٢)