من مزايا التنافس في لعبة الانتخابات الرئاسية بين الرئيس (الديموقراطي ) باراك أوباما والمرشح ( الجمهوري ) مت رومني، أنه يكشف للمتابع عن قرب الشرايين الدقيقة للمجتمع الأمريكي بما في ذلك «الجينات» و«الكروموسومات » ، وهي تجربة ثرية ومفيدة للجميع في عالم أصبح أكثر ترابطا واندماجا في عصر العولمة. باختصار، كشفت المناظرات بين المتنافسين والوعود التي يتباريان في قطعها، أن « الأزمة» الاقتصادية في الولايات المتحدة لها أربعة أشكال من العجز: العجز المالي، وعجز الوظائف، وعجز الاستثمار العام، وعجز الفرص، وأن الاقتراحات التي يقدمها كل من « أوباما « و» رومني « للشعب الأمريكي كفيلة بخفض العجز المالي فقط، ولكنها سوف تؤدي إلى تفاقم أشكال العجز الثلاثة الأخرى.
هذه النتيجة توصل إليها بعد جهود بحثية وعلمية عديد من الخبراء والمتخصصين، ومن ثم أصبح السؤال هو : أين يكمن ( حل ) الأزمة الاقتصادية ؟ وكيف؟ وأي شكل من أشكال العجز الأربعة يجب أن نصوب إليه حلولنا أولا؟ .. « لورا تايسون « الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين بالولايات المتحدة، وأستاذ إدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا (بيركلي )، ركزت اهتمامها على « عجز الوظائف « كنقطة انطلاق لفهم طبيعة الأزمة من جهة وتقييم سياسات أوباما في مدته الرئاسية الأولي من جهة ثانية، وتوصلت إلى نتائج قيمة يمكن الاستفادة منها في معالجة بعض مشاكلنا في العالم العربي.
« تايسون » أكدت أن نمو الوظائف في القطاعين العام والخاص يشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي مستمر في استعادة عافيته من الركود العظيم لسنة 2008 – 2009، رغم أن معدل البطالة لا يزال أعلى بدرجتين مئويتين فوق القيمة طويلة الأجل التي حددها الاقتصاديون حين يعمل الاقتصاد بكامل طاقته، والمفارقة هنا هي أن التقارير الصادرة مؤخرا عن التوظف والبطالة وسوق العمل في الولايات المتحدة – كما تقول – تشير إلى أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين وظيفة شاغرة وحوالى 49% من أصحاب العمل يقولون إنهم يواجهون صعوبات في ملء الشواغر وخاصة في تقنية المعلومات والهندسة والعمالة الماهرة، وهو ما أثار التساؤلات حول انعدام التوافق بين «المهارات» المطلوبة و«احتياجات» سوق العمل، حيث اعتبرت هذه الفجوة من أهم الأسباب الرئيسية لارتفاع معدل البطالة في أمريكا.
وكشفت « تايسون» عن أن معدل التطور التكنولوجي بين عامي 2008 – 2012 أسرع بمراحل من استعادة الاقتصاد الأمريكي عافيته، مما زاد الأمور تعقيدا إذ أصبح ( سوق العمل ) يتطلب « مهارات « أعلى بكثير مما هو ( معروض )، في نفس الوقت الذي ( توقفت ) مخرجات التعليم الأمريكي عند مستويات معينة، وتلك هي الفجوة الحقيقية بين معدلات ( التوظيف) و(البطالة ) وهي فجوة في « المهارات « أساسا، التي كانت موجودة قبل الركود العظيم بدءا من العام 2008 وازدادت سوءا مع مرور الوقت، وهو ما لم يلتفت إليها جيدا أي من المرشحين للرئاسة الأمريكية رغم وعودهما الصادقة.
هذا الاكتشاف لموطن الداء في الاقتصاد الأمريكي حاليا تدعمه التقارير والتصنيفات العالمية فقد كانت الولايات المتحدة تقود العالم في مجال معدلات خريجي المدارس الثانوية والجامعات معظم فترات القرن العشرين واليوم أصبحت في منتصف قائمة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أما العامل الرئيس وراء هذا الانخفاض هو : فشل النظام التعليمي الأمريكي في المدارس في ضمان وجود تعليم عالي الجودة للأمريكيين الأقل حظا، خاصة الأطفال الذين ينتمون لعائلات فقيرة أو من الأقليات أو المهاجرين.
وهكذا أصبحت « معضلة التعليم « وتطوير نظام التعليم هو المدخل الصحيح لمعظم مشكلات الاقتصاد الأمريكي، لكن « التعليم « القادر على توفير « المهارات « اللازمة والمتجددة يتطلب ( تمويلا ) اقتصاديا مرتفعا أيضا، فقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الطلبة من البلدان التي فيها انعدام مساواة أكبر في الدخل يحصلون على معدلات أقل في اختبارات الإنجاز الأكاديمي، وكشفت دراسة صادرة حديثا عن مؤسسة « ماكنزي» أن الفجوات في الفرص التعليمية والإنجازات التعليمية طبقا للدخول – كما يؤكد تايسون – تعني وجود ما يعادل ركودا دائما يقدر بما نسبته 3-5% من الناتج المحلي الإجمالي فيما يختص بالاقتصاد الأمريكي.
والخلاصة : أن الاستثمار في جميع مستويات « التعليم» يضرب عصفورين بحجر واحد : الأول هو توفير المهارات اللازمة لسوق عمل يتطور ( تقنيا ) باضطراد، والأمر الثاني هو معالجة الفوارق في الدخول والفرص والإنجازات التعليمية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٢٥) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٤-١٠-٢٠١٢)