انتظر الرأي العام العربي أن تخرج حكومة الخرطوم عليه بمعلومات كاملة تكشف ملابسات قصف الطيران الإسرائيلي مصنع اليرموك للأسلحة والذخائر في العاصمة السودانية وتزيح الغموض الذي اكتنف هذه العملية.
لكن الأيام مرّت دون أن تكشف حكومة السودان عمّا قالت إنها تملكه من أدلة تثبت العدوان الإسرائيلي على الخرطوم، لتضع نفسها في حرجٍ بالغ نتيجة عجزها عن تقديم رؤيتها المتكاملة للحدث، وهو ما يثير مخاوف سودانية وعربية من إمكانية تكرار هذه الاعتداءات مستقبلاً ومن قِبَل أطراف عدة.
توقَّع السودانيون من حكومتهم أن تجلي الحقيقة عن واقعة قصف مصنع «اليرموك»، وأن تشرح كيف تمكنت المقاتلات الإسرائيلية الأربع من اختراق الأجواء السودانية والإفلات من أجهزة الرصد وضرب المصنع بدقة، كان السودانيون في انتظار هذه الخطوة وتتلوها أخرى تتمثل في تصعيد القضية عبر الجامعة العربية وصولاً إلى مؤسسات الأمم المتحدة لمحاولة استصدار إدانة لهذا الاعتداء الغاشم.
غير أن كل ما سبق لم يحدث، إذ اكتفى النظام السوداني -كما هو واضح حتى الآن- بحشد شباب الحزب الحاكم، المؤتمر الوطني، «استعداداً للمواجهة المقبلة مع العدو الإسرائيلي»، في خطوةٍ لدغدغة المشاعر أكثر منها عملية ومنطقية، فالكل يعرف، وفق حسابات الجغرافيا، أن أي عدوان جديد من قِبَل إسرائيل على السودان لن يتم إلا عبر الطيران، وهو ما لن تجدي معه تعبئة الشباب المتحمس وتسليحهم، لأنهم حتماً لن يقاتلوا المعتدي عليهم وجهاً لوجه، لن يروه إلا على هيئة طائرات حربية تستبيح بلادهم، لذا كان من الأجدى إجلاء الحقائق المتعلقة بواقعة الثلاثاء الماضي.
ولا يبدو مفهموماً الإنفاق على صناعة السلاح والذخائر محلياً في ظل عدم اكتمال منظومة الدفاع عنها أو عدم كفاءتها، وهو ما يسهِّل على من تؤرقه هذه الصناعة استهدافها والإضرار بها بضربةٍ واحدة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٣٠) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٩-١٠-٢٠١٢)