عادة ما يشير مصطلح الحوار إلى درجة عالية من التفاعل الثقافي والتعاطي الإيجابي بين الشعوب، وهو فعل ثقافي رفيع يؤمن بالحق في الاختلاف؛ لأنه سنة كونية سائدة بين البشر، وهو لا يجعلنا نتخلى عن ثقافاتنا وإرثنا القديم، بل إن الحوار الحضاري يساعد على اكتشاف المساحة المشتركة بين الحضارات لتكون محطة انطلاق لرقي البشرية وتقدمها، وهو الأسلوب الأمثل لحل المشكلات التي تحدث بين الدول والأمم.
والثقافة والحضارة صنوان لا يفترقان، وهما المكونان للشخصية الإنسانية؛ حيث من خلالهما تُحقق الأمم التواصل الحي، وتُقيم علاقات إيجابية فاعلة تعود بالخير والنماء على البشر كافة كما أن الحوار الحضاري وسيلة للتبادل الثقافي مع الحضارات المختلفة.
ولحوار الحضارات مساهمة كبيرة في تغيير نظرة الإنسان نحو مجتمع أو حضارة ما، وهذا ما يجب أن نسعى إليه لتكون حضارتنا الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً ذات قيمة ومكانة عالية، ونصحح النظرات السلبية والعدائية التي ألصقها بعضهم في حضارتنا الإسلامية.
يرى المؤرخون والباحثون عن بداية نشأة حوار الحضارات أن دعوة المفكر الفرنسي المسلم (روجيه جارودي) -رحمه الله- بضرورة ووجوب التحاور بين الحضارات هي أول دعوة صريحة ومباشرة للحوار بين الحضارات، ولكن من الناحية التاريخية والثقافية كان الحوار بين الحضارات، ممارسة راسخة وعميقة بين الشعوب منذ القدم عبرت عنها المساهمات الحضارية في مجالات العلوم التجريبية والإنسانية والفنون عبر انتقال هذه الأعمال من محيطها الحضاري المحلي إلى الأفق العالمي؛ حيث شَكَّلت هذه الممارسة حالة رائعة من الحوار والتواصل بين الحضارات، والتاريخ يثبت لنا أن الحضارات التي بقيت أسيرة ومحاصرة داخل فضائها ومجالها المحلي الخاص بها لا تستطيع أن تصمد، بل تكون مهددة بالزوال أو على الأقل الذوبان في حضارة أخرى، كما أن جزءاً كبيراً من الصراع الذي يشهده العالم من حولنا سواء بشكله السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي تُشكل الحضارة فيه ورقة القوة والضغط، وهنا يمكن القول: إذا كنا لا نملك ثقافة مؤثرة ومنتجة ترتكز على حضارة عريقة لا يمكننا اليوم أن نتعايش مع موازين القوة بمفهومها الشامل الذي يحكم العالم اليوم.
وإذا تمعّنا جيداً في نشأة حوار الحضارات فإنه يعود إلى آلاف السنين الماضية؛ لأن الجذور التاريخية لحوار الحضارات تعود منذ نشأة الخليقة على هذه الأرض، على أسس مختلفة ومتنوعة، لا يمكن لنا أن نعيش في العالم تحت حضارة واحدة فلكل دين ومنطقة جغرافية متطلباتهما الحضارية، وأيديولوجياتهما المختلفة والمتميزة عن غيرهما.
وفي تاريخنا الإسلامي نماذج كثيرة للتعايش الحضاري الذي تم بين المسلمين وغير المسلمين الذين عاشوا بين ظهرانيهم، وخير مثال على ذلك بلاد الأندلس التي عاش فيها المسلمون والنصارى واليهود جنباً إلى جنب بسلام ووئام ولكل طائفة حضاراتها وعاداتها وتقاليدها.
ولأهمية حوار الحضارت فقد لعبت المملكة دوراً كبيراً في تعزيز ثقافة حوار الحضارات بين دول العالم؛ وذلك عندما تمت الموافقة على اقتراح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- بإنشاء مركز لأتباع الثقافات والأديان في النمسا، والذي سيفتتح في هذا الشهر من هذا العام، وقد حمل هذا المركز اسم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وبهذه النقلة النوعية تمكنت المملكة من وضع الثقافة والحضارة الإسلامية والعربية في موقع الند المعادل للحضارات الأخرى؛ وذلك بأنها ليست تابعة أو مستهلكة لقيمها وتجاربها، كما أنها استطاعت نقل التجربة الحضارية الإسلامية والعربية من مجرد رصيد تاريخي تتغنى به الشعوب الغربية والإسلامية إلى الصعيد العالمي والإنساني.
ومن أهم المشتركات التي يتفق عليها حوار الحضارات رفض العنصرية والعصبية، والإرهاب فهذه العناصر مرفوضة تماماً ومحاربة دائماً من الجميع.
وختاماً فإن انعكاسات وإيجابيات الحوار الحضاري على التجربة الإنسانية هي أكثر من أن تحصر فمنها ما هو مباشر ويظهر في القريب العاجل، ومنها ما هو يتشكل كرصيد عبر الزمن والتاريخ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٣٤) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٢-١١-٢٠١٢)