قامت الثورة في سوريا ضد حكم بشار الأسد مطالِبةً بالحرية واحترام حقوق الشعب، والتزمت قوى الثورة في نضالها السلمي ثم المسلح بمبادئ حقوق الإنسان، فدافعت عن حق المدنيين في الحياة وحمت ممتلكاتهم وأرواحهم وواجهت آلة القتل اليومي دفاعاً عن الشعب السوري.
لكن بشار الأسد اختار مواجهة الثورة بالاستمرار في البطش والجنوح إلى الممارسات الطائفية، مستعيناً بقوى خارجية تدعم هذا التوجه وتغذيه بالأسلحة وبالمقاتلين وبتوفير الغطاء السياسي، لذا كان من الطبيعي، خصوصاً في ظل الفوضى التي أحدثها النظام ومازال يبذل جهده لاستمرارها، أن لا تنضبط كل ردود الفعل تجاهه فتخرج بعضها عن مبادئ الثورة وتخالف ما نادت به بسبب تنامي مشاعر الانتقام تحديداً عند من فقدوا أسرَهم وهُدِّمت منازلهم فوجدوا أنفسهم وقد فقدوا كل شيء، هذه المشاعر السلبية هي إحدى نتائج طول أمد الأزمة.
وهذه الحالة تعكسها واقعة إقدام مقاتلين محسوبين على الثورة على تنفيذ إعدامات ميدانية بحق جنود من جيش النظام في خرقٍ لقواعد القتال وفي خروجٍ واضح على أخلاقيات المعسكر الثوري الملتزم في دفاعه عن السوريين بأصول التعامل مع الأسرى حتى لو كان النظام يذبح كل من يقع تحت طائلته ويلقي المجنَّدين في أتون المعركة ويتعامل مع شعبه دون أخلاقيات.
ولعل الرفض الواضح من قِبَل قوى الثورة لقتل الأسرى دليلٌ على رغبتها في الالتزام بنهجها، وإن لم تكن هذه القوى قادرة على ضبط أداء كل من ينتسبون للثورة، وهذا أمر منطقي لكونها غير نظامية، فإنها على الأقل تحاول تطهير صفوفها لمنع تكرار هذه المشاهد، التي من المتوقع أن يستخدمها النظام للترويج لمقولة إنه يواجه عصابات مسلحة.
لكن المجتمع الدولي، الذي استنكر واقعة إعدام الجنود النظاميين، يشارك هو الآخر في المسؤولية عن قتلهم، فهو لم يتحرك لوقف مجازر النظام وتباطأ في إيجاد الحلول وقدم مبادرات غير ناجحة أو ملزمة للأسد، الذي لم يتوقف عن الإجرام، فامتلأت الصدور بالرغبة في الانتقام. إن الواقع يفرض على قوى الثورة والمجتمع الدولي العمل لتطويق هذه التصرفات، الثورة السورية مُطالَبة بفرز وتنقية صفوفها، والمجتمع الدولي مطالَب بالتدخل السريع لردع الأسد ومنع سفك مزيدٍ من الدماء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٣٥) صفحة (٩) بتاريخ (٠٣-١١-٢٠١٢)