يرتّب البيت السعودي نفسه بثقة وحكمة وإدراك لما تتطلّبه المصالح الوطنية القائمة على التوازن. وتُوكل المسؤوليات فيه إلى المسؤولين بحسابات واضحة تأخذ بحسبانها الكفاءة الذاتية المطلوبة في المسؤول.
ومنذ عهد الملك المؤسّس، طيّب الله ثراه، حمل حقيبة وزارة الداخلية تسعة من أكفأ رجالات الدولة، أولهم الملك فيصل، رحمه الله، وآخرهم الأمير محمد بن نايف الذي عيّنه خادم الحرمين الشريفين، أمس، خلفاً للأمير أحمد بن عبدالعزيز.
وواقع الأمر؛ فإن وزارة الأمير محمد بن نايف الجديدة تمثّل خلاصة ثلاث مدارس ثرية تتلمذ فيها الوزير الجديد وأخذ عنها الكثير من الخبرات القيادية. المدرسة الأولى هي مدرسة والده الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، بما تراكم فيها من تجارب غنية بمنجزات امتدت لأكثر من ستٍ وثلاثين سنة وحفلت بالكثير من الأحداث المعقّدة، وأدار الأمير الراحل أمور الأمن الداخلي فيها بقوة شكيمة ودقة أداء واحتراف.
أما المدرسة الثانية فهي مدرسة عمّه الأمير أحمد بن عبدالعزيز الذي أفنى معظم حياته العملية في الوزارة نفسها نائباً للأمير نايف ثم خلفاً له وشريكاً له في أمانة خدمة الأمن والأمان في هذا البلد الأمين، قبل أن يطلب الإعفاء من الوزارة ويسلّم الأمانة كما تسلّمها محفوظة مصونة.
أما المدرسة الثالثة، وهي أساس متين وتتويج مستحق للمدرستين، فقد تمثلت في الإعداد العلمي والتأهيل الميداني والتجربة المباشرة. لقد تخرّج الأمير في العلوم السياسية من أمريكا، وخضع لتدريبات مكثفة وحصل على دورات متقدمة في الأمن عموماً وفي مكافحة الإرهاب على وجه خاص، وخاض العمل الأمني بدخوله الوزارة مساعداً للوزير للشؤون الأمنية في ظرفٍ حساس جداً واجهت فيه البلاد شرّاً استثنائياً تمثّل في الإرهاب. فكان تلميذ المدارس الثلاث ركناً رئيساً في المواجهة التي صقلته سريعاً ومنحته خبرات مكثفة.
صقلته المواجهة على نحو نُجوميّ جداً، وأظهر ديناميكية مؤثرة لها أثرها في إدارة الأزمات التي جرّها الإرهاب على البلاد منذ بداية العقد الماضي، والتعاطي مع تداعياتها وتبعاتها ومعالجاتها التي انطوت على متابعة ميدانية مباشرة، وتفعيل حلول علاجية ووقائية نجحت في تحجيم نشاط الإرهاب في مدة وجيزة، ووضع الوعي الاجتماعي إلى جانب الأمن الوطني عبر البرامج المتعددة.
برز محمد بن نايف رقماً صعباً في المواجهة، ويداً قوية في المعالجة، وقلباً نابضاً في الإدارة. برزت أدوار الأمير في وزارة والده الراحل وفي وزارة عمه. وها هو أمام سُدة المسؤولية الكاملة في الوزارة يتهيأ لإكمال المسيرة خلفاً لثمانية من رجالات الدولة الذين تحمّلوا هذا الوزن الهائل، وقدّموا لدينهم ومليكهم ووطنهم جوهر ما يملكونه من صدق وتفانٍ وقدرة على ضمان الأمن الداخليّ والاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٣٨) صفحة (٩) بتاريخ (٠٦-١١-٢٠١٢)