بصرف النظر عن الفائز في انتخابات الرئاسة الأمريكية أمس الثلاثاء، فإن أغلب الناس الذين سيتأثرون بهذه الانتخابات – العالم بالكامل تقريبا – لم يكن بمقدورهم التأثير على نتيجتها!. أياً كان الفائز فإن الأزمة المالية (الكبرى) تلوح في الأفق بحلول نهاية عام 2012، وسوف تؤدي إلى ارتفاع في الضرائب ومفاجآت غير مسبوقة مع خفض كبير للإنفاق، وحسب توقعات مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي فقد تسود -على الأرجح- حالة من الركود في العام 2013.
يأتي ذلك في ظل معاناة الأوضاع المالية في معظم دول أوروبا حيث تسود حالة من عدم اليقين عند أكثر المتفائلين بالمستقبل، بالتزامن مع استمرار تباطؤ الاقتصاد في الصين، ومن هنا فإن تقلص أو ركود الاقتصاد الأمريكي هو آخر ما يحتاج إليه الاقتصاد العالمي، وهو ما يتطلب (زعامة قوية) من قِبَل الرئيس المنتخب (سواء كان أوباما أو رومني) لتجنب هذه النتيجة المتوقعة!
من هذا المنطلق، فإن التأييد الخارجي لأي من المرشحين – لن يؤثر كثيرا أو قليلا – كأن ترحّب روسيا مثلاً بإعادة انتخاب أوباما أكثر من مجيء رومني كرئيسٍ جديد للولايات المتحدة، والشيء نفسه مع الصين وإيران وبعض دول الاتحاد الأوروبي، أو أن ميل إسرائيل إلى دعم فوز المرشّح رومني قد يرجح كفته مثلا، وكذلك الحال مع الإسلام السياسي وتنظيم القاعدة حيث إن فوز رومني (الامتداد الطبيعي للرئيس “بوش الابن”) قد يبرر استخدام العنف من جديد ضد الشيطان الأكبر، وهي الحجة التي نزع فتيلها أوباما منذ خطابه التصالحي مع العالم الإسلامي تحت قبة جامعة القاهرة في يونيو 2009.
هذه المقدمة الطويلة نسبيا “ضرورية” لأن كلا من المرشحَين يدركان – كما يدرك العالم كله – أن استراتيجية الولايات المتحدة الخارجية تتمثل في: بقاء النفوذ الأمريكي في العالم ودعم القدرات الحربية لضمان الأمن القومي، ولا يوجد في ذلك أي فرق بين إدارة أمريكية وأخرى، أو أي اختلاف يذكر بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ويكفي أن نعرف أن أخطر القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة منذ عام 1980، هو القرار الذي أقره مجلس النواب الأمريكي في شهر مايو الماضي 2012، بأغلبية أعضاء الحزبين معا وهو مشروع قانون رقم (HR568) ويسمح بالاستعداد للحرب على إيران، ويمنع الرئيس الأمريكي في المستقبل (أيا كان اسمه أو رسمه) معارضة استخدام تلك القوة العسكرية، “والاعتماد على سياسة (الاحتواء) كخيار سياسي ضد التهديد النووي الإيراني”.
“سيفن زونس” أستاذ العلوم السياسية، ورئيس دراسات الشرق الأوسط في جامعة سان فرانسيسكو، حلل الأبعاد المهمة لصدور هذا القانون قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بستة أشهر، أولها: نهاية عقود من الزمان اتبعت فيها وزارة الدفاع الأمريكية “سياسة الاحتواء” في التعامل مع التهديدات المحتملة خاصة مع أنظمة الصواريخ الباليستية السوفيتية. أما اليوم، فإن سياسة الردع لم تعد كافية للتعامل مع بلد من البلدان النامية القادرة على تطوير الأسلحة النووية.
وهذا الإجماع الواسع للحزبين الديمقراطي والجمهوري يمثل عودة قوية لسياسة “المحافظين الجدد” في الضربة الأولى والحرب الاستباقية التي تأسست عام 1980 واستخدمت في عهد الرئيس “بوش الابن” (2000 – 2008) وهي تقوم على فكرة أساسية هي: أن دور الولايات المتحدة لا يقتصر على منع ظهور قوة عظمى أخرى منافسة لها مثل الصين، وإنما يجب أن تقاوم أيضًا ظهور أي قوة حتى ولو كانت إقليمية، مثل إيران.
ثانيا: إن فكرة الردع مع النظام السياسي “لإيران الملالي” لا تجدي نفعًا في ظل قيادة “مهووسة” تسيطر على القرار العسكري بالكامل، بما في ذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل، يمكن أن تقرر في لحظة شن هجوم نووي غير مبرر (أو كنوع من الانتقام) ضد إسرائيل ودول الخليج والولايات المتحدة، في المقابل فإن سياسة الاحتواء مع إيران تركت – كما يقول – اعتقادًا سلبيًا ولا يجب أن نرسخ الاعتقاد بأن هناك قوة في العالم – ولو كانت نووية – يمكن أن تقف في وجه القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.
ثالثًا: الحد من سلطات الرئيس الأمريكي (العسكرية) في مجال السياسة الخارجية، خاصة وأن المجتمع الدولي لديه مصلحة في منع إيران من تطوير أسلحة نووية، وكذلك في إجبار الهند وباكستان وإسرائيل على نزع سلاح ترساناتها النووية الموجودة بالفعل، وينبغي السعي بكل الوسائل الممكنة للحفاظ على منطقة الشرق الأوسط المضطربة، خالية من التهديدات النووية فضلاً عن السباق النووي، ولا نستطيع في ظل هذا الوضع المتردي أن نمنع المملكة العربية السعودية أو تركيا أو مصر من امتلاك السلاح النووي مع وجود التهديدات النووية الإيرانية (المباشرة وغير المباشرة).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٣٩) صفحة (١١) بتاريخ (٠٧-١١-٢٠١٢)