في مسح سريع للمجتمعات التي خاضت انتفاضات وثورات شعبية، يتأكد أن تلك التي انتهجت الأسلوب السلمي، حصلت فيها عملية التغيير بأقل الخسائر وترسخت مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية بما أسس لعملية تطور التنمية المستدامة بشكل مكن هذه المجتمعات من عملية التحديث المطلوبة لمواكبة متطلبات العصر. وخلافاً لذلك فقد دخلت المجتمعات التي انتهجت العنف والإقصاء طريقاً للتغير في أتون حروب وتشظيات اثنية وعرقية ومذهبية قادت إلى دخول دولها في عمليات التدمير الذاتي التي تنخر في مقومات المجتمع الرئيسية، ليخرج من الفعل التاريخي المطلوب منه.
ففي جنوب إفريقيا، وعندما خرج الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا من السجن مطلع تسعينات القرن الماضي، وضع اللبنات الكبرى لقبر النظام العنصري ببيانه الذي كان بمثابة وثيقة تاريخية أعلن فيها قيام نظام ديمقراطي جديد على أنقاض نظام الابارتهايد وجاء بمقولته الشهيرة المعبرة عن التسامح والنظرة للمستقبل والتغيير السلمي: «إن الضحية لايمكن لها أن تنسى ولكن يمكن أن تغفر». وعلى هذا الأساس قامت جنوب إفريقيا من تحت أرض نظام الفصل العنصري إلى نظام ديمقراطي تعددي يسعى إلى إدخال البلاد على طريق الديمقراطية والتنمية الإنسانية الشاملة، واضعاً نصب عينه حجم الأزمات التي ورثها من النظام القديم بما فيها هواجس الانتقام من نظام البيض. وسارت دول أوروبا الشرقية التي انسلخت من الكتلة السوفييتية قبيل الانهيار الكبير على نفس النهج السلمي في عملية التغيير اللهم بعض الاستثناءات التي كانت تبدو ضرورية لإحداث النقلة النوعية من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي. ورغم أن الاتحاد السوفييتي نفسه كاد أن يدخل في حرب داخلية إلا أن قفز يلتسن على الدبابة أمام الكرملين ووجود جمهور ضاغط نزع فتيل الاحتراب الداخلي الذي انتهى بتفكك جمهوريات الاتحاد السوفييتي التي سارت بدورها على الطريق الديمقراطي وإن كان بنسب.
الأنموذج العربي في عمليات التغيير متفاوت، ففي حين كان بأقل الخسائر في تونس مطلع العام 2011، كانت موقعة الجمل في ميدان التحرير المصري علامة فارقة في الكيفية التي كان يفكر فيها نظام حسني مبارك لإبقاء حكمه وتوريثه إلى ابنه، وقد سبق هذه الحادثة عدة حوادث في القتل والسحل وإحراق دور العبادة بما فيها الكنائس. وهو سلوك يعبر عن مدى تمسك النخبة الحاكمة بالامتيازات التي كانت تتمتع بها وترفض التنازل حتى عن جزء منها لتسيير الحياة السياسية في مصر. وفي ليبيا كانت الأمور تتضح شيئا فشيئا لتؤكد دموية التغيير لتتكشف أكثر مع دخول قوات الناتو طرفاً رئيسياً في عملية إسقاط نظام العقيد القذافي. واللافت في الأمر أن اليمن التي كانت تكتنز على أراضيها عشرات الملايين من القطع العسكرية الفردية وغير الفردية، إلا أن جمهور الثورة هناك رفض الانجرار إلى أتون احتراب داخلي رغم أنها مهيأة أكثر لإشعال مثل هذه الحرب نظراً للوضع السياسي القائم والحروب الداخلية السابقة التي خاضتها، سواء فيما كان يعرف بحرب الانفصال أو الحرب مع الحوثيين في محافظة صعدة.
الموقع الجيوسياسي لبلد مثل سوريا قادها إلى حمام دم لايزال يسفك في الطرقات بطريقة لا يمكن وصفها إلا أنها حرب أهلية طاحنة تأكل الأخضر واليابس، بعد أن تحولت من صراع داخلي على عملية التغيير الديمقراطية المطلوبة إلى حرب طاحنة تدخلت فيها قوى إقليمية ودولية ليصادر القرار الداخلي لصالح الإقليمي والدولي وتوضع قضية سوريا على أجندة مجلس الأمن الدولي فيما لاتزال الأرواح تزهق كل يوم ليتحول الضحايا إلى أرقام تبثها وسائل الإعلام صبيحة كل يوم.
ثمة بعض الاستثناءات التي مر عليها الربيع العربي. ففي المغرب تمكنت الطبقة السياسية، حكومة ومعارضة من لجم الانجراف نحو هاوية المربع الأمني، فحدثت تعديلات عميقة على صلاحيات الملك هناك لصالح الديمقراطية رغم ملاحظات وتحفظات البعض على حجم هذه التعديلات، لكنها أزاحت هماً كبيراً لدى الأغلبية التي كانت تراقب المشهد الليبي الدموي.
إذن، البلدان العربية أمام حركة تغيير واسعة لن تقف عند الدول التي أنجزت جزءاً من عملية التغيير فيها سواء عبر ثورة أو إصلاحات جذرية، بينما تقف دول على مفترق طرق بين هذين النهجين: التغيير السلمي نحو الديمقراطية والتعددية السياسية وتداول السلطة، أو حمام الدم الذي عانت منه ليبيا ولا تزال تبعاته قائمة وكذلك المشهد الدموي التدميري في سوريا التي يبدو أنها تسير نحو تدمير ما تبقى من مقومات الدولة.
اللاعنف هو طريق عبدت له الأمم المتحدة الطريق بمفاهيم متعددة بعضها يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية وبعضها يؤشر على طبيعة النظم السياسية التي يجب عليها الالتزام بالمعاهدات الدولية التي لم تعد ترفاً بل ضرورة لتكون الدولة جزءاً من المجتمع الدولي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤١) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-١١-٢٠١٢)