الخليفة الراشد عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، هو أول زعيم إسلاميّ وضع تنظيماً لمواجهة مشكلة المتخلفين من الحجاج. وجاء في سيرته أنه كان يخطب في الناس بعد الحج من كل عام منادياً «يا أهل الشام شامَكم، ويا أهل اليمن يمنَكم». وفسّر بعض المؤرخين هذا الإجراء بأنه حماية للمجتمع المكّي من التضخم السكاني الذي قد يتسبّب في مشكلات اقتصادية وأمنية واجتماعية.
وبطبيعة الحال؛ فإن البقاء في الدول التي يُسافَر إليها لأيّ غرض يؤدّي إلى هذه المشكلات، خاصة حين تكون البلاد ذات جذبٍ سكاني لأسباب اقتصادية أو دينية أو غيرها. وبلادنا الواسعة تحظى بعناصر جذب كثيرة سواء للمسلمين الذين يأتون لحج بيت الله وأداء العمرة وزيارة نبيه الكريم، أو للعمل في القطاعات المختلفة.
وهذه العناصر الجاذبة راكمت ملايين من المقيمين غير الشرعيين في بلادنا، وطبقاً لمجلس الشورى؛ فإن الرقم تجاوز خمسة ملايين نسمة يتفرّقون على مناطق مختلفة أهمها مكة المكرمة والمدينة المنورة ومنطقة الرياض والمنطقة الشرقية والمنطقة الجنوبية. ومن المقرّر أن يناقش المجلس هذه المشكلة التي تقف وراء 60% من الجرائم التي تتعامل معها أجهزة الشرطة.
وعلى الرغم من وجود أنظمة دقيقة في بلادنا؛ فإن الأبواب فيها مفتوحة للحجاج والمعتمرين وللراغبين في العمل. ولكنّ هذه الأبواب تمّ استغلالها على نحو لا يمكن قبوله. وحين يتضخّم حجم المتخلفين أو الداخلين إلى البلاد بطرق غير شرعية؛ فإن احتمالات الخطر تتزايد سكانياً واجتماعياً وأمنياً. وعلى المواطن أن يكون أول الحذرين وأول من يعيق تزايد حجم المشكلة.
والمواطن ـ هنا ـ هو الفرد وهو المؤسسة وهو المصنع وهو المحل التجاري الصغير.
وأمام مجلس الشورى مهمة دقيقة عليه أن يناقشها على نحو معمّق يُفضي إلى أفكار عملية وواقعية لمواجهة المشكلة التي يجب أنٍ تُحجّم وتُحاصر مخاطرها المتعددة محاصرة فاعلة تتوقف معها عشرات من الجرائم والمخالفات الأمنية والتنظيمية.
إن المسؤولية الوطنية واضحة أمامنا جميعاً كمواطنين ومسؤولين. والأدوار يُمكن أن تُؤدّى من أيّ موقع، وبما أن بعض المواطنين يمثلون جزءاً من تفاقم المشكلة بارتكابهم مخالفات تتمثل في تشغيل وإيواء مقيمين غير شرعيين؛ فإنه لا بدّ من تشريعات أكثر صرامة للتعامل مع المخالفين. وإلى جانب الصرامة؛ هناك -بالمقابل- ضرورة لتشجيع الراغبين في إصلاح أوضاع إقامتهم، خاصة من ذوي الكفاءات والمهارات التي يمكن الاستفادة منها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤٢) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-١١-٢٠١٢)