لم يخلف حريق ناقلة الوقود في جازان ضحايا كما فعل حريق ناقلة الغاز في الرياض الأسبوع قبل الماضي. كان لطف الله وراء وقوع الحادث الكبير بعد ابتعاد الناس، فتحجمت النتائج المؤسفة في الناقلة ومغسلة سيارات ومركبات قبل أن يسيطر الدفاع المدني على الوضع.
لكن وقوع حادثين خلال مدة وجيزة، وخلافهما من الحوادث المتوالية بين حين وآخر، يضعنا أمام تساؤلات كثيرة حول ضوابط السلامة في ناقلات الوقود المتنقلة. حادثان متشابهان ليس من السهل اعتبارهما مجرد حادثين وانتهى الأمر. هناك أخطاء كامنة وراء مثل هذه الحوادث بلا شك. والأخطاء قد تكون في الناقلة أو في محيطها أو في البشر أنفسهم. وقوع حادثين متشابهين في فترة وجيزة جداً يشير إلى أن معايير السلامة مهددة، وهذا التهديد يهدد الناس والممتلكات على نحو جدي وعميق.
وقوع حادثين بهذه الصورة في فترة وجيزة ينبّه إلى ضرورة مراجعة الأنظمة المعنية بترتيب إجراءات وطرق تخزين وحفظ ونقل وشحن الوقود والمواد الخطرة، ومعها مراجعة التطبيقات المخالفة التي تقع فيها المؤسسات والأفراد، وكذلك مراجعة الإجراءات الرقابية والعقابية المتصلة بالموضوع. كل ذلك يستهدف صناعة حقيقية للسلامة الوقائية الفاعلة، ومدى انطباقها على المنشآت والشاحنات ووسائط النقل والشحن والتفريغ وغيرها من التفاصيل التي يكمن فيها الخلل وتحدث الحوادث بسببها.
انفجار الرياض وحريق جازان إنذاران واضحان بما لا يدع مجالاً لاعتبار الموضوع أخطاءً بشرية فردية، وسلامة الناس وممتلكاتهم لا يجوز أن تخضع لمعايير متهاونة، أو تطبيقات رقابية متساهلة. صحيح أن الأمور القدرية تبقى قدرية بيد الله سبحانه، ولكن للمسؤولين عن سلامة الناس دوراً أساسياً في إدارة المخاطر أياً كان مستواها وأين كان موقعها، ومهما تعقدت متطلباتها.
الدفاع المدني ووزارة البترول والثروة المعدنية وشركة أرامكو السعودية ووزارة التجارة وغيرها من الجهات يجب أن يكون لها دور شديد التدقيق ليس في الرقابة فحسب، بل هي مطالبة بإعادة النظر في المعايير التي ربما وُضعت في ظروف غير ظروفنا الحالية. ولا يُمكن أن تُترك الشاحنات المحمّلة بالخطر تسير على هوى سائقيها بما هم عليه من اندفاع وتهاون وتساهل بما ينقلونه وبمن حولهم من الناس والمركبات والممتلكات.
السلامة هدف أساسي وصريح، وكل التشريعات والإجراءات وسائل لتحقيق هذا الهدف الطبيعي الذي تحرص كلّ دول العالم على تحقيقه تلقائياً. وأمام هذه الحقيقة؛ فإن الجهات المعنية أمامها مشروع حقيقي لإعادة النظر ومراجعة التشريعات القائمة مراجعة جذرية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤٣) صفحة (٩) بتاريخ (١١-١١-٢٠١٢)