ﺍﺴﺘﻁﻼﻋﺎﺕ ﺍﻟﺭﺃي في الدول الديمقراطية المتقدمة ﺒﻤﺜﺎﺒﺔ ﺍﺴﺘﻔﺘﺎﺀ ﻤﺴﺘﻤﺭ للإرادة الشعبية ﻋﻠﻰ ﺴﻴﺎﺴﺎﺕ ﺍﻟﺤكام وأداء الحكومات، وﺍﻟﻭﺴﻴﻠﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﺘﺘﻴﺢ ﻟﻸﻏﻠﺒﻴﺔ ﺍﻟﺼﺎﻤﺘﺔ ﺃﻥ ﺘﻌﺒﺭ ﻋﻥ ﺁﺭﺍﺌﻬﺎ وتطرح ﺃﻭﻟﻭﻴﺎﺘﻬﺎ مباشرة، لدرجة سماها ﺍﻟﺒﻌﺽ “ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﺨﺎﻤﺴﺔ”. معظم نتائج هذه الاستطلاعات (قبل) الانتخابات الرئاسية الأمريكية أظهرت تفوق ” باراك أوباما ” علي ” مت رومني “، وحسب الاستطلاع الذي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية في 21 دولة، تبين وجود تأييد قوي لأوباما في كل مكان باستثناء باكستان، أما في الولايات المتحدة نفسها فقد أثبتت الأرقام دائما أن المرشح رومني متأخر عن الرئيس أوباما، بل أصدرت خدمة أبحاث الكونغرس وهي بالمناسبة ( لا تنتمي إلي الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي ) تقريراً مفاده أن خطة الضرائب التي اقترحها الجمهوريون ومرشحهم ” مت رومني ” لن تفيد على الإطلاق في تعزيز النمو الاقتصادي الأمريكي.
هذا التقرير المهم، اعترض عليه الجمهوريون بشدة، ربما لأنه سلط الأضواء مبكرا علي ” مثالية ” رومني الخيالية، و” واقعية ” أوباما العقلانية، وهو ما يفسر – جزئيا – مصدر الثقة التي أولاها الناخبون للرئيس الديمقراطي، ويجيب عن السؤال الذي شغل العالم شرقا وغربا، وهو : لماذا لم يغرق أوباما مع الدوامة الاقتصادية ( الأطلنطية ) التي سحبت إلي الأعماق زعماء سياسيين كبار، من وزن الرئيس الفرنسي ” نيكولاي ساركوزي ” ورئيس وزراء بريطانيا ” جوردون براون ” ورئيس وزراء إسبانيا ” خوسيه لويس ثاباتيرو ” وغيرهم، رغم أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال ضعيفا والبطالة لا تزال قريبة من 8% ( بالتحديد 7.9%)؟ المتابع للأجواء الانتخابية – من داخل الولايات المتحدة – كان يدرك جيدا أن أصوات الناخبين المنتمين للطبقة الوسطي التي تعاني اقتصاديا، ستذهب حتما لأوباما وليس رومني، الذي أخفق في إخفاء ميوله الرأسمالية في تحقيق مصالح الأثرياء، والأهم من ذلك هو عدم استيعابه للتحولات الديموغرافية ( المهاجرون من أمريكا اللاتينية ) وسائر الأقليات الأخري من آسيا وإفريقيا، التي وجدت في أوباما ( وجذوره الإفريقية – الفقيرة ) نفسها، وآمالها وتطلعاتها!
لكن يبدو أن الطبيعة أيضا قالت كلمتها الحاسمة وأدلت بصوتها العالي لصالح أوباما أيضا، وحسب أحدث استطلاعات الرأي المنشورة فمن بين كل عشرة ناخبين أكد ثمانية علي أداء الرئيس أوباما الطيب في التعامل بمسؤولية مع ” إعصار ساندي ” وأن هذا الانطباع أثر حتما علي اتجاه تصويتهم. والمفاجأة التي سبقت الانتخابات بأربعة أيام هي التحول السياسي الدراماتيكي لحاكم ولاية ” نيو جيرسي ” ( كريس كريستي ) في تأييد أوباما وليس رومني .. ولهذا التحول قصة، أتصور أن مضمونها مهم لنا.
الوشائج التي تربط الاقتصاد والطاقة وتغير المناخ والانحباس الحراري والسياسية الأمريكية في الداخل والخارج، أصبحت حقائق راسخة اليوم ولا أبالغ إذا قلت أن ” إعصار ساندي ” هو إحدى تجليات هذا التشابك العضوي. فقد كان الجمهوري ” كريستي ” حاكم نيو جيرسي هو المتحدث الرئيسي في مؤتمر الحزب الذي سخر فيه رومني من تغير المناخ والانحباس الحراري، قائلا : ” ” لقد وعد الرئيس أوباما بالبدء في إبطاء ارتفاع مستوى سطح المحيطات، وشفاء كوكب الأرض !”، ورأى أن قضية الطاقة يمكن أن تحل عن طريق زيادة إنتاج الفحم، دون أن يتنبه – أو ينبه من قبل مستشاريه – إلي أن ثاني أكسيد الكربون المتولد عن حرق الفحم لتوليد الطاقة الكهربائية يُعَد بالفعل المساهم الرئيس في تغير المناخ، وأن زيادة استخدام الفحم من شأنها أن تفرض عبئاً هائلاً على الناس في مختلف أنحاء العالم.
في المقابل تحدث ” أوباما ” بشكل علمي عن كيفية “الاستقلال في مجال الطاقة”، وهو ما يعني ضمناً عدم الاعتماد على النفط القادم من الخليج العربي والشرق الأوسط، عن طريق رفع معايير الاقتصاد في استهلاك وقود السيارات في الولايات المتحدة، وزيادة الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة المتجددة ومصادرها، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح و” الفحم النظيف “.
أما ” إعصار ساندي ” الذي سبق الانتخابات بأيام قليلة، فقد أعاد للأذهان قضية تغير المناخ و” سخرية رومني من أوباما ” حين ارتفعت الأمواج لأربعة عشر قدما في الساحل الشرقي الأمريكي معلنة تأييدها العملي لما قاله أوباما عن ارتفاع سطح المحيط بفعل الانحباس الحراري العالمي، وهو ما دفع عمدة نيويورك ” مايكل بلومبريج ” لمناصرة أوباما وليس رومني، لأن سياساته هي الأفضل، وهكذا رسمت الطبيعة الخريطة السياسية لأمريكا في السنوات الأربعة القادمة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤٦) صفحة (١١) بتاريخ (١٤-١١-٢٠١٢)