حدثان متقاربان زمنياً يسلطان الضوء على واحدة من أهم القضايا التي تقلق الساحة المحلية البحرينية خصوصاً والساحة العربية عموماً، وهي المتعلقة بنبذ العنف وإشاعة أجواء التسامح وإطلاق حرية الرأي والتعبير والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، باعتبارها مسائل تشكل الركيزة الأساسية لنجاح عملية التنمية الشاملة.
الحدث الأول هو إطلاق ست جمعيات سياسية بحرينية مسجلة ضمن قانون الجمعيات السياسية، وثيقة أسمتها «إعلان مبادئ اللاعنف»، وذلك في السابع من شهر نوفمبر الجاري. والحدث الثاني هو «إعلان المنامة» الذي صدر بعد أسبوع من الإعلان الأول عن وزراء الثقافة العرب الذين اجتمعوا في العاصمة البحرينية تحت شعار «التواصل الثقافي مع الثقافات العالمية».
في إعلان الجمعيات الست تأكيد واضح على «أن السلمية هي النهج التكتيكي والاستراتيجي في عملنا السياسي سلوكاً وممارسة لتحقيق مطالب شعبنا من خلال مشاركته الحقيقية في صياغة قراره السياسي ورسم مستقبل بلادنا في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية والأمن الاجتماعي والسلم الأهلي. وإن دعواتنا المتكررة للتسامح والتعددية والتنوع نابعة من قناعاتنا الراسخة والصادقة بأنها الطريق الأمثل لتعزيز الوحدة الوطنية بين أبناء شعبنا بمكوناته المختلفة»، حسبما جاء في ديباجة الإعلان، الذي تم تعزيزه بمعاهدات واتفاقيات دولية من طراز «القرار رقم A/RES/61/271 الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 27 حزيران/ يونيه 2007 بخصوص اليوم الدولي للاعنف، وقرارات الجمعية العامة رقم 53/243 ألف وباء المؤرخين 13 أيلول/ سبتمبر 1999، ‏اللذين يتضمنان إعلان ثقافة السلام وبرنامج العمل بشأن ثقافة السلام، و55/282 ‏المؤرخ 7 أيلول/ سبتمبر 2001 بشأن اليوم الدولي للسلام، و61/45 المؤرخ 4 كانون ‏الأول/ ديسمبر 2006 بشأن العقد الدولي لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال العالم، ‏‏2001-2010، والقرارات الأخرى ذات الصلة. ورأت تلك الجمعيات أن اللاعنف، والتسامح، والاحترام الكامل لجميع حقوق ‏الإنسان، والحريات الأساسية للجميع، والديمقراطية، والتنمية، والتفاهم المتبادل، واحترام ‏التنوع.. جميعها أمور مترابطة ويعزز ويكمل بعضها بعضاً».
وتوجت الجمعيات السياسية البحرينية إعلانها بستة مبادئ رئيسة شددت على الالتزام بها وهي: «1- أن نحترم الحقوق الأساسية للأفراد والقوى المجتمعية، وأن ندافع عنها. 2- أن نلتزم بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية. 3- أن لا ننتهج في سلوكنا أياً من أساليب العنف أو تجاوز حقوق الإنسان والآليات الديمقراطية. 4- أن ندين العنف بكل أشكاله ومصادره وأطرافه. 5- أن ندافع عن حق المواطنين في حرية الكلمة والتجمع السلمي. 6- أن نكرس وندعو في أدبياتنا وخطابنا وبرامجنا إلى ثقافة اللاعنف وانتهاج السبل السلمية والحضارية، كون العنف ليس من جنس الممارسات السياسية والميدانية لجميع الأنشطة والفعاليات التي قمنا ونقوم بها داخل وخارج بلادنا وندينها دائماً أياً كان مصدرها». وعلى الجانب الآخر، كأن وزراء الثقافة العرب قرأوا إعلان مبادئ اللاعنف، فقد جاءت فقرات إعلان المنامة الذي أصدروه مشابهة لما جاء في الأول، حيث أكدوا «أهمية حرية الفكر والتعبير والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لأنها الركيزة في نجاح جهود التنمية الكاملة». وفي إعلان الوزراء مطالبة صريحة للأمة العربية إزاء «توحيد صياغة خطابها البيني والقطري والخارجي ليقوم على قبول الآخر الداخلي والخارجي والشفافية والثقة ورفض الإقصاء والإلغاء والاستلاب والتهميش». وذهب وزراء الثقافة بعيداً عندما دعوا إلى «تغيير الصورة النمطية» و»الجلوس إلى طاولة الحوار مع الآخر»، والإيمان «بأن السبيل الأوحد لذلك يكمن في نبذ العنف والتطرف وإرساء روح التسامح».
هاتان الوثيقتان تتقاطعان في كثير من البنود الأساسية والمرتكزات اللتين انطلقتا منها إزاء مواجهة انجرار الساحات العربية إلى العنف المنفلت عقاله، الذي لا يحترم الحدود الدنيا لحقوق الإنسان فضلاً عن ضرورة الشروع في «دمقرطة» المجتمعات العربية وفق أجندات زمنية واضحة تمكن من قياس الإنجازات والإخفاقات. فالتنمية المستدامة التي عمقتها الاتفاقيات الدولية تعني أولاً حرية الفرد في الحياة الحرة الكريمة سواء كان في العمل اللائق والأجر العادل أو في حريته في التعبير عن رأيه دون خوف أو وجل، بما يؤسس لحالة حضارية قادرة على لجم الانزلاقات المتسارعة إلى المربعات الأمنية الخطرة على الجميع نظماً وشعوباً ودولاً، وبما يشكل جدران عازلة في وجه عتاة تشطير المجتمعات العربية على أسس عرقية وإثنية وطائفية ومذهبية، وهي الحالة التي تعاني منها عديد من البلدان العربية في الوقت الراهن، حيث عمليات التحشيد والتمترس آخذة في التوسع، تغذت على وسائل إعلام غادرت المهنية وتفرغت إلى تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ وممارسة الفرجة على الخراب الكبير.
ينبغي التقرير هنا أن الدعوتين الصادرتين من جهتين متقابلتين، واحدة أهلية بحرينية وأخرى رسمية عربية، قد جاءتا في الوقت المناسب وإن تأخرتا بعض الشيء، بيد أن أهميتهما تكمن في قرع الجرس بقوة لكي يتم حسن الإنصات لهما بما يُسهم في تجنيب مجتمعاتنا ويلات الاحترابات الداخلية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤٨) صفحة (١١) بتاريخ (١٦-١١-٢٠١٢)