من أبرز القضايا التي يتداولها أهالي منطقة الباحة قضية شح المياه، وهو ناجم بطبيعة الحال عن تذبذب هطول الأمطار من عام لآخر، ويرجع ذلك لوقوع الجزيرة العربية بكاملها في إقليم المنطقة الحارة، لذا تعاني من مشكلة التصحر، الأمر الذي يجعل الجزيرة العربية تخلو من الأنهار، عدا وجود بعض الأودية التي يرتبط جريانها بما يمنحه الرب من فضله، أما المناطق الجبلية كالطائف والباحة وأبها فتظفر بكميات لا بأس بها من الأمطار بحسب إحصائية معدل الأمطار السنوي، مما هيأ قيام حرفة الزراعة خصوصاً في السراة، حيث عُدلت سفوح الجبال لبناء مصاطب زراعية لإنتاج الحبوب والفواكه، وكانت عاملاً لاستقرار السكان منذ آلاف السنين اعتماداً بعد الله على ما تنتجه الأرض من محاصيل زراعية متنوعة، وفي الفترة الراهنة تزايد عدد السكان في منطقة الباحة وغيرها من مناطق المملكة وانتشر العمران وزاد الطلب على المياه والذي لم يعد يفي بالاحتياج، الأمر الذي دفع بوزارة المياه والكهرباء للبحث عن مصادر آمنة في هذا الشأن، حيث قامت بإنشاء عديد من السدود من أجل الحفاظ على مياه الأمطار التي كانت تضيع هدراً في رمال صحراء الربع الخالي شرقاً، أو في مياه البحر الأحمر غرباً، ورغم أن عدد السدود القائمة حالياً في الباحة يصل إلى 28 سداً معظمها من السدود الصغيرة، فإن المياه المخزنة فيها غير مستقرة وبالتالي غير آمنة، لشح الأمطار وتذبذبها في كثير من السنوات، وفي واقع الأمر لم تحقق تلك المشروعات المائية المتمثلة في السدود الفائدة المرجوة وهذا الذي أكده أحد المختصين في علم المياه بأهمية المصاطب الزراعية التي بناها الأجداد على سفوح الجبال في حفظ مياه الأمطار.. وقال في بحث نشره في مجلة علمية إن سكان الباحة منذ أزمنة غابرة لم يبنوا السدود بل اتجهوا إلى بناء المدرجات الزراعية.. ودعا في بحثه إلى ضرورة الاعتناء بهذه المصاطب وإعادة ما تهدم منها.. إلا أنها مع الأسف الشديد تعاني من الإهمال الشديد بسبب انصراف الأهالي عنها.
وفي الآونة الأخيرة استشعرت وزارة المياه المشكلة لتضع حلاً عاجلاً يتمثل في ضخ نسبة ضئيلة من المياه المحلاة المجلوبة من الشعيبة والتي هي أصلاً مخصصة لمدينة الطائف وضواحيها، ولما كان الماء أساس الحياة من منطلق قول الله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وأهم عامل في الاستقرار السكاني والاجتماعي والاقتصادي والنفسي فقد أضحى وصول المياه من البحر الأحمر ضرورة قصوى خصوصا وأن الساحل لا يبعد سوى مائة كيلومتر فقط، ويمكن إقامة محطة بالقرب من مدينة المظيلف المحاذية لساحل البحر الأحمر، وهو المكان الأقرب لمنطقة الباحة، وهذا المشروع المقترح يمثل الحل الاستراتيجي الأنسب من وجهة نظر كثيرين لعدة اعتبارات منها:
• قرب المسافة المكانية ما بين منطقة الباحة وساحل البحر الأحمر عن طريق المظيلف.
• إيجاد مصدر مائي بديل فيه صفة الاستمرارية مما يحقق التنمية بصورة أفضل.
• تذبذب سقوط الأمطار من عام لآخر، وهذا السبب الأهم الذي لا يؤهل السدود أن تكون مصادر مائية ثابتة يُعتمد عليها.
• تزايد الطلب على الماء بسبب التزايد السكاني والحركة العمرانية والتنامي الحضاري الذي تشهده المنطقة.
•بُعد المسافة الجغرافية عن المحطة الحالية (الشعيبة) وقلة حصة المنطقة من المياه المجلوبة.
•نضوب بعض الآبار التي حُفرت بوادي العقيق وشح بعضها، واستبعاد تكرار حفر آبار مماثلة.
• استمرار رمي الحيوانات النافقة والمخلفات في أحواض السدود، وما تحمله بعض الأودية كذلك مما يسبب تلوثاً للمياه، ويحدث انعكاسات على الصحة العامة للسكان.
• تعرض الجزيرة العربية بشكل عام لموجات ساخنة وعوالق ترابية تزيد من عمليات التصحر يصل تأثيرها إلى المناطق الجبلية ومن بينها منطقة الباحة.
• يُعد الجفاف أهم عامل لزيادة الضغط على موارد المياه، لذا أصبح البحث عن بدائل أخرى ضرورة لتكون مساندة لمياه الأمطار.
وبناء على كل تلك الحيثيات فإن موجات الجفاف التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية تحتاج إلى تخطيط مبكر، وتحرز مدروس للتخفيف من آثارها المحتملة، سواء على السكان أو الحياة الفطرية.
وحتى أكون منصفاً فقد بذلت مديرية المياه في منطقة الباحة خلال الثلاثة الأعوام الماضية جهوداً موفقة في تأسيس البنية التحتية لشبكات المياه والخطوط الناقلة لتربط أجزاء من مدن الباحة وقراها رغم الطبوغرافية الصعبة في سراة الباحة، إلا أن تلك الأنابيب أصبحت في بعض مواضعها فارغة عدا الهواء، وحزم من الأمنيات. أهالي منطقة الباحة (سراة وتهامة وبادية) ينتظرون بارقة أمل في الإعلان عن مشروع مائي تعلن عنه وزارة المياه والكهرباء في مطلع العام الهجري الجديد لتزفه كبشرى ينتظرها الأهالي بشوق منذ سنوات، خصوصاً وأن المشروع المنتظر يتعلق بأهم عنصر يحتاجه الإنسان وهو الماء الذي سيكون أهم عامل في الاستقرار السكاني والتخفيف من حدة الهجرة إلى مدن المملكة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤٩) صفحة (١٠) بتاريخ (١٧-١١-٢٠١٢)