تتعرض عملية صياغة الدستور الجديد في مصر لصعوبات بالغة نتيجة انسحاب ممثلي القوى المدنية والكنيسة من جمعية الصياغة اعتراضاً على ما اعتبروه محاولة من التيار الإسلامي للانفراد بوضع المواد الدستورية وفقاً لرؤيتهم.
وبغض النظر عن مدى وجاهة مبررات كل فريق، فإن الواقع يقول إن مشروع الدستور في مصر يواجه أزمة كبيرة في ظل غياب الثقة بين القوى السياسية وتشكيك كل فصيل في نوايا الآخر، ما يعني استمرار الاستقطاب في المجتمع.
وفي الحقيقة، يمكن القول إن مسألة صياغة الدساتير هي أصعب استحقاق يواجه دول الربيع العربي، فليس الحال في تونس واليمن بأفضل من مصر، وهو درس ينبغي أن يعيه السوريون حتى قبل سقوط نظام بشار الأسد، وقد يكون المخرج في الحالة السورية الاتفاق مبكراً على مبادئ دستورية عامة تحكم عملية صياغة الدستور السوري مستقبلاً وتضمن عدم الدخول في نفس النفق.
وبالعودة إلى الحالة المصرية، نجد أن ما يزيد من سوء الوضع إصرار المعارضة على مطلب إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة سياسية تمثل مختلف التيارات، وهي مسألة قد لا تبدو قابلة للتحقق، فإذا كان السياسيون غير قادرين على التوافق بشأن مواد دستورية فهل يُنتظَر منهم أن يتفقوا على تشكيل الوزارة؟ بالطبع لا.
لقد مضى نصف عام على بدء عمل جمعية صياغة الدستور، وخلال هذه الفترة تم حلُّ الجمعية ثم أعيد تشكيلها وأوشكت على إنهاء عملها لكن التوافق لم يتحقق للآن حتى بعد تدخل رئيس الجمهورية لتقريب وجهات النظر، إذ لا يبدو أن المهمة الرئاسية نجحت بدليل أن شخصيات كعمرو موسى ومحمد البرادعي تشاوروا مع الرئيس وبعدها بأيام أعلنوا إصرارهم على الدعوة لحل الجمعية وإعادة تشكيلها.
وفي ظل غياب الدستور يتعطل مسار الانتقال الديمقراطي وتغيب السلطة التشريعية ما يعني غياب مشروعات القوانين واستمرار الدولة المصرية بنفس قواعدها القديمة، وقد تستمر الأزمة نصف عامٍ آخر إذا طال الصراع السياسي البعيد في أهدافه عن هموم الشعب المصري وتطلعاته إلى الاستقرار والتنمية الاقتصادية بعيداً عن الحروب الكلامية والنزاعات الأيديولوجية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٥٣) صفحة (٩) بتاريخ (٢١-١١-٢٠١٢)