وقع المحظور في مصر، وبدأ العنف بين المدنيين وبعضهم البعض، بالأمس توجه العشرات من المتظاهرين الغاضبين من قرارات الرئيس محمد مرسي إلى مقار حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، وأضرموا في بعضها النيران، في مشهدٍ عبَّر بجلاء عن فجوة غير مسبوقة بين التيارين الإسلامي والمدني.
إذن، انتقل العنف من دائرة «المدنيين في مواجهة الأمن» إلى دائرة «المدنيين في مواجهة بعضهم»، وهو مؤشر شديد الخطورة، يعكس حجم الأزمة السياسية التي دخلتها مصر نتيجة غياب التوافق، وفقدان كل طرف الثقة في الآخر، فحلَّ التربص، وصار المحرك الرئيسي للمواقف، ولم يعد واضحاً من يملك الحق؟ ومن يمثل الثورة؟ فالكل يتحدث باسمها، ويرفع شعاراتها، ويرى أن أفعاله ستحميها من الآخر.
والعنف لا يولِّد إلا العنف، ولا يمكن لطرفٍ أن يضبط أنصاره إذا ما تم الاعتداء عليهم، وبمجرد أن يسقط قتيل من التيار الإسلامي على يد المعارضين لهم أو العكس، ستمتلئ الصدور بالغضب، والرغبة في الانتقام، وستسيل دماء رفاق الثورة بأيديهم.
وقد يفضي المشهد الحالي إلى عواقب وخيمة، قد لا تتحملها دولة بدأت للتو إعادة بناء مؤسساتها، ومجتمع يلملم جراحه طيلة عامين، ويبحث عن بادرة أمل تنير له المستقبل، وتخرجه من عثرات متتالية.
ويبدو لافتاً أن السياسيين الداعين إلى التظاهرات أصابهم الصمت أمام مشاهد العنف التي وقعت أمس، فلم يدينوها إلى الآن، وهم الأعلم بدلالاتها الخطيرة، وما يمكن أن تؤول إليه إذا تواصلت، خصوصاً أن المؤسسات الأمنية لم تبنِ ثقةً مع الجماهير بعد، وبالتالي قد تميل إلى الوقوف على الحياد، ما يعني تزايد فرص الفوضى.
وفي ظل هذا الصمت السياسي، يُبرَّر العنف تحت شعارات ثورية براقة، وتتعالى نبرات التخوين والإقصاء بين مكونات المجتمع الواحد؛ فيزداد الانقسام والاستقطاب، وتضطرب أولويات المرحلة.
لا يُتوقَّع أن تنجح ثورة باحتكار طرف للحقيقة بما في ذلك السلطة، لذا فإن جميع الأطراف مُطالَبة بإعادة النظر في مواقفها، وتغليب مصلحة الوطن، وحفظ أمنه ووحدته، على أية أهداف أخرى، وإن كانت نبيلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٥٦) صفحة (٩) بتاريخ (٢٤-١١-٢٠١٢)