على غير العادة، ترقب الاقتصاديون ورجال المال والسياسة في العالم هذا العام، ما يُعرف باسم «بلاك فرايدي» – Black Friday أو «الجمعة السوداء» في الولايات المتحدة، الذي تعرض فيه المحلات التجارية بطول الولايات وعرضها تخفيضات كبيرة على السلع المختلفة، ما يتيح للطبقات الكادحة من أصحاب الدخول المحدودة (والفقراء) فرصة الشراء وممارسة متعة التسوق كغيرهم من المقتدرين والأغنياء.
تأتي «الجمعة السوداء» دائماً عقب «عيد الشكر» – Thanks Giving في الولايات المتحدة، الذي يوافق الخميس الثالث من شهر نوفمبر من كل عام، وإن تزامنت هذا العام 2012 مع أزمة مالية جديدة تلوح في الأفق يتوقع الجميع معها أن تؤدي إلى ارتفاع في الضرائب ومفاجآت غير مسبوقة مع خفض كبير للإنفاق وحالة من الركود الاقتصادي بحلول عام 2013.
المفارقة هذا العام تمثلت في ارتفاع نسب المبيعات من السلع الترفيهية والكمالية، بما يفوق جميع التوقعات الأكثر تفاؤلاً، رغم أن الإسهام في فنون التسويق والإبهار باتجاه هذه السلع كان أقل من المعتاد، كما أن التخفيضات لم تكن أزيد من أي عام، بل العكس تماماً ربما كانت أعلى قليلاً، وهو ما دفع بعضهم إلى التساؤل متوسلاً «بالعلوم المعرفية» (وليس الاقتصاد) لفهم الدوافع الأساسية للإقبال الشديد على استهلاك السلع الترفيهية، وبالتالي القدرة على توقع مستقبل سوق هذه المنتجات.
الأبعاد الجديدة والآفاق غير المسبوقة للعلوم المعرفية – Cognetive Sciences التي طالت -تقريباً- كل مناحي الحياة المعاصرة في الألفية الثالثة، تلمسها بسهولة حين تزور الغرب الرأسمالي اليوم (أوروبا وأمريكا وكندا)، فقد زرت عام 2007 مدينة «خروننجن» الحدودية بين ألمانيا وهولندا، ونصحني مرافقي بتذوق «تورتة التفاح» وطعمها اللذيذ الطازج، حيث يوجد سوق كبير للمواد الغذائية يقابل فيه الزائر يوم السبت من كل أسبوع، عمالاً يتميزون بالطول الفارع والابتسامة والدعابة، يقفون وراء طاولات تعرض عينات من «تورتة التفاح» بشكل جاذب، يناولون كل مستهلك قطعة صغيرة من تلك العينات كي يتذوقها قبل أن يشتريها أو لا يشتريها.
أكبر المستفيدين من إنجازات «العلوم المعرفية»، الشركات الكبرى المتعدية الجنسيات والعابرة للقوميات – Transnational Corporation، حيث تستخدم بعض آليات الهيمنة العقلية لتحفيز المستهلك على شراء السلع المتنوعة. فقد ثبت أنه في داخل الدماغ الإنساني تستقر قناعة «تقدير» الخدمة التي يقدمها إليه الآخرون فيما يُعرف بـ»رد الجميل»، وعندما تتناول قطعة صغيرة من المادة الغذائية المعروضة «مجاناً وبدون مقابل» يتشكل لديك إحساس خفي بأن عليك «واجب رد الجميل» من خلال شراء ولو قدر صغير مما تذوقته، وربما تُقبل على الشراء ليس لأنك مقتنع أو محتاج لهذه السلعة أو تلك وإنما كمحاولة لرد الجميل أساساً.
وحسب المفهوم الجديد التسويق – Marketing، وبحسبة بسيطة فإن كل كيلو جرام واحد من أي عينة غذائية «مجانية» يأتي بعائد عشرة أضعاف في حالة الشراء، بمعني أن المائة جرام التي تذوقتها سوف تردها عشرة أضعاف عند شراء هذا المنتج. الفيلسوف والمحلل النفسي «تشينجاك» أضاف بُعداً جديداً لمفهومي»التسويق والاستهلاك»، فالسلع والبضائع اليوم صارت تشترى من أجل العثور على «مفاجأة» أو «هدية» صغيرة، على عكس مجتمع الاستهلاك التقليدي كما ظهر في القرن التاسع عشر، الذي كان يلبّي -حسب «تشينجاك»- بعض المسرّات الزّائفة والمباهج الصّغيرة، بينما كان يحرمنا في الواقع من أشواقنا الحقيقيّة أو قل «متعة التوقع»! فالمنطق الحديث المتحكّم في ترويج البضائع اليوم هو منطق الشّوق لا منطق الاستهلاك. إن جميع البضائع تعدنا اليوم بشيء مّا زائد فوق ما يمكننا استهلاكه، ومن هنا وجدنا عبارات دعائية، مثل: «تجدون جوائز كثيرة في انتظاركم».. «اشترِ زوجين من الجوارب واحصل على الثالث مجاناً».. وهكذا.
الجديد في مجتمع الاستهلاك اليوم هو أن توجِد داخل المستهلك الواحد عشرات المستهلكين، وذلك عن طريق التعرف على «الميول» و»الرغبات» وأساليب الجذب والإثارة والتشويق داخل «الدماغ»، أي الأشكال (التصميمات) والألوان والروائح التي تجذب عيون وأنوف المستهلكين، ولعل هذا ما يفسر أسباب انتشار: (السوبر ماركت) و(المول) و(الهايبر)، الأهم من ذلك هو اكتشاف أن الإقبال على شراء السلع الترفيهية (في ظل الأزمات) ليس بالضرورة «استعراضاً» للصحة الاقتصادية، وإنما ذروة الرفض والتمرد ضد واقع اقتصادي مأزوم طال كثيراً!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٦٠) صفحة (١١) بتاريخ (٢٨-١١-٢٠١٢)