كيف يمكن فهم التوتر السياسي المرتبط بتدهور أمني في مصر وتونس واليمن؟ للوهلة الأولى ستحصل على إجابة مفادها أن الثورات دائماً ما يعقبها إخفاق أمني وتخبط قد يستمر أعواماً لحين الوصول إلى مرحلة جني أهداف التغيير.
بالتأكيد تحمل وجهة النظر هذه جزءاً من الحقيقة، لكن ليس كل الحقيقة، فالواقع يقول إن القوى التي شاركت في صنع مشهد التغيير في دول الربيع العربي مارست من الأخطاء الكثير ما ساعد على الإخفاق الحالي.
وأبرز هذه الأخطاء ممارسة التخوين والإقصاء ضد بعضها بعضاً، والتركيز على تحقيق المكاسب السياسية قبل تنفيذ مطالب الثورات، والافتقار إلى إيجاد بدائل للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت الأنظمة السابقة تتبعها، فالشعوب لن يكفيها التظاهر أو رفع شعارات براقة.
إن استمرار قوى التغيير في سلك طريق التشرذم والاستقطاب يحمل مخاطر تهدد مسار الإصلاح ولا يقتصر الأمر على إطالة مراحل انتقالية فحسب.
ولقد كشفت مرحلة ما بعد الربيع العربي عن صراعٍ حاد على هوية الشعوب والأوطان طرفه الأول تيار إسلامي يرى نفسه الأكثر تعبيراً عن المجتمعات العربية، وطرف «مدني» يعتقد أنه أول من ألقى بحجر التغيير.
وفي ظل هذا التنافر الحاد تتشتت قوة الثورة وتضعف قدرتها على جعل حياة الشعوب أفضل مما سبق، ويزيد الأمر سوءاً غياب السياسات البديلة؛ ليبدو الأمر وكأن حصاد الثورة كان تغييراً في إيديولوجيات أطراف المشهد السياسي دون عوائد حقيقية.
بالطبع، يحتاج الأمر إلى تصحيح مسار، وإلى البحث عن مساحات التوافق، وتأجيل الاشتباكات الفكرية لحين إتمام عملية الإصلاح المنشودة، لكن ماذا ستكون النتيجة إذا لم يدرك السياسيون ذلك؟
لا أحد يمكنه الجزم بما سيحدث بعد سنوات، لكن الاعتقادَ قائمٌ باستمرار الفوضى السياسية وما تعكسه من آثار اجتماعية واقتصادية خطيرة.
ويدلُّنا تاريخ المنطقة على أن ثورات كبرى اندلعت حاملةً أنبل الأهداف والقيم، ثم حالت الفرقة المجتمعية دون إتمامها، ويتعلق الأمر بثورات منتصف القرن الماضي التي كرس بعضها لأنظمة غير ديمقراطية حتى هبت رياح الربيع العربي فأسقطتها لكنها لم تطرح مشروعاً حتى الآن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٦٥) صفحة (٩) بتاريخ (٠٣-١٢-٢٠١٢)