تبدو دول الربيع العربي كأنها تسقط في هاوية لا قرار لها، فـ«مصر» أصبحت مقسمة بين مؤيدي الإسلام السياسي ومعارضيهم، والمواجهات فيها تتصاعد حتى عادت أرقام القتلى والجرحى تتصدر نشرات الأخبار.
و«تونس» تبدو عالقة بين «اتحاد الشغل» و«حكومة النهضة»، والتظاهر فيها تطور إلى الاشتباكات بين مناصري الاتحاد وروابط تسمي نفسها «حامية للثورة» لا يعلم أحد يقيناً إلى من تنتمي، لكن الرأي الأغلب أنها تتبع «حزب النهضة الإسلامي».
و«ليبيا» غارقة في مشكلات لا تنتهي؛ فالثوار المسلحون يرفضون حتى الآن الانضواء تحت لواء الجيش والبرلمان الذي ولد حديثاً مهدَّداً بالتفتت بعد انسحاب أعضائه من الجنوب الليبي، والداخلية عاجزة عن السيطرة على سجونها، والحريات تبدو في الحضيض مع اعتقال مدون ليبي.
أما «اليمن» فهو مهدد أكثر من غيره بالتقسيم والحرب الأهلية مع قرار «جنوبي» برز بعد الثورة بالانفصال، وجمود يعاني منه «مؤتمر الحوار» الذي يُفترض أن يجمع الفرقاء اليمنيين، وشمال مهدد من «ميليشيا الحوثي المسلحة» التي لا تخفي رغبتها في إقامة دولتها الخاصة، و«حرب سوريا» تبدو لا نهاية لها.
ولعله من المنصف في ظل هذا التردي في دول الربيع العربي التساؤل بصوت عال: هل ما يحدث في هذه الدول مجتمعة هو تطور طبيعي لميراث السنوات السابقة؟ أم أنه مخطط حقيقي لإبقائها رهينة الفوضى أملاً في امتداد هذه الفوضى إلى المنطقة برمتها لتمرير مشاريع ومطامع لن تجد لها أرضاً خصبة إلا في ظل الاحتراب والتفتت؟.
ومن المنصف أيضاً التحذير من أن ترك هذه الدول دون مساعدة فعلية في تجاوز أزماتها لن يحصر هذه الأزمات داخل حدود دول الربيع العربي دون أن تصيب تداعياته جيرانها.
لقد حان الوقت الآن لجهد إقليمي لمد يد العون والنصيحة ورأب الصدوع بين القوى المختلفة، والسعي لعودة الاستقرار إلى هذه المنطقة التي تمتلك أهمية استراتيجية بثرواتها وموقعها وقدرات شعوبها؛ لعل الربيع العربي ينجو قبل أن يتحول إلى «فوضى عارمة».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٦٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٧-١٢-٢٠١٢)