رغم خصوصية الساحة المغربية، إلا أنها ليست معزولة عن المعطيات التي تشهدها الساحتان التونسية والمصرية، حيث يزداد الحراك الشعبي في عاصمتي أول ثورتين في حقبة الربيع العربي باتجاه خلق وقائع جديدة غير تلك التي فرضتها صناديق الاقتراع بجلب الإخوان المسلمين وحلفائهم بأغلبيات مريحة جعلتهم يتصرفون وكأن القوى الأخرى غير قادرة على عملية إعادة الاصطفاف بما يشكل تحدياً للأغلبيات الجديدة. ومن الطبيعي أن تقود عملية الانتشاء التي يعيشها الإخوان هذه الأيام على حساب الاستقرار السياسي الذي عادة يأتي بسبب عملية الإقصاء ومصادرة حق الآخر في الشراكة السياسية.
وإذا كانت أحداث تونس قد وصلت أصداؤها إلى العواصم القريبة ومنها العاصمة المغربية، فإن تشكيلة الحراك التونسي المعارض الذي وجه له النظام الجديد هي في تشكيلة الجبهة الشعبية المكونة من أحزاب اليسار بعد شعورها بأنه بإمكانها خلق معطيات سياسية جديدة إذا نسقت وتحالفت على الموضوعات الكبرى في مواجهة القوى الجديدة التي يبدو أنها تعيش نشوة انتصارات نفس الخط في مصر والمغرب. المغرب التي شهدت عاصمتها الاقتصادية «الدار البيضاء» أعمال واحد من الأحزاب اليسارية هو حزب المؤتمر الوطني الاتحادي الذي خرج من رحم الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية بعد تجربة مريرة للأخير في رئاسة الوزراء «وتشكيل» الحكومة بالتفاهم مع «المخزن» في العقدين الماضيين وقبل التغييرات الكبيرة التي حصلت على الدستور المغربي إثر انطلاق الحراك الشعبي في 20 فبراير 2011، وقبول الجزء الأكبر من القوى السياسية الفاعلة -في الوقت الراهن على الأقل- للتعديلات الدستورية هذه والخروج من عنق الزجاجة الذي كان المشهد المغربي منحشراً فيه.
كان المؤتمر الثامن لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي مناسبة لطرح قوى اليسار المغربي رؤاها لما يجري في المغرب، ومناسبة للحديث عن «التغيير الديمقراطي» الذي هو شعار المؤتمر ومادة رئيسية في صلب المتحدثين في حفل الافتتاح وجلهم من قوى اليسار التي ترفع، أيضا، شعاراً آخر يدعو إلى وحدة اليسار في مواجهة الزواج الإخواني – السلفي الذي تراه هذه القوى مؤشراً خطراً على تراجع الحريات العامة والخاصة والدخول في ضبابية كبيرة حول الجانب الاقتصادي الذي يعتصر المغرب مع الأزمة المالية العالمية التي لاتزال تبعاتها تعصف بعديد من العواصم الأوروبية التي تمتلك معها المغرب علاقات استراتيجية على هذا الصعيد. فالوضع الاقتصادي أمام تحديات كبرى أهمها مسألة الديون الخارجية التي تستنزف جزءاً مهماً من الإيرادات، وتحدي توفير نحو 150 ألف فرصة عمل سنوياً في اقتصاد لم يتجاوز معدل نموه السنوي 2 بالمائة، فيما هو يحتاج إلى 6 بالمائة نسبة نمو حقيقية ومستقرة لكي ينجز متطلبات التنمية المستدامة. كما أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى تنويع أكبر في اقتصاده رغم أنه يشكل وجهة سياحية مهمة لدول العالم، بينما يعتمد في جزء من عملته الصعبة على تحويلات العمالة المغربية في دول الاتحاد الأوروبي بشكل رئيسي، وهذا الأخير تعاني دوله من تباطؤ في النمو يقترب في بعض المواقع إلى الصفر. ويبقى الرهان على الزراعة التي هي بحاجة الى رافعة عملاقة يمكن أن تسهم فيها رؤوس الأموال الخليجية الحكومية والخاصة لجهة البدء في تشييد صناعة زراعية متقدمة قادرة على المنافسة في أسواق الاتحاد الأوروبي القريبة وأسواق المشرق العربي البعيدة.
لا شك أن وضع الاقتصاد يترجم اجتماعيا، وهو الأمر الذي حدا بالجهات المختصة الإعلان عن توقيف أكثر من 9500 شخص في مدينة الدار البيضاء وحدها خلال أشهر قليلة بسبب ارتكابهم جرائم متعددة، ما يشكل حالة ضغط لدى مسؤولي المدينة التي تعد ثاني أكبر مدينة عربية بعد القاهرة من حيث عدد السكان.
في ظل هذه المعطيات الاقتصادية الضاغطة سياسياً واجتماعياً، تشخص الأنظار صوب الجار التونسي الذي بدأت تتشكل لديه معارضة تبدو من طراز جديد في مواجهة الوضع السياسي القائم، وترقب قوى اليسار المغربي مسار الحراك التونسي الجديد، بينما تسعى إلى تحسير الهوة بين أحزابها على أرضية المشتركات الكثيرة. فالملاحظ أن قوى اليسار تلتقي في أغلب العناوين الرئيسية والمطالب المرفوعة سواء منها أو من القاعدة الشعبية التي تشكلت منها حراك 20 فبراير، الأمر الذي يفرض جولات من الحوار حول التحالفات المطلوبة بين هذه القوى إن أرادت أن يكون لها صوت مسموع وثقل في موازين القوى، وقدرة على صياغة الكتلة التاريخية الشعبية المطلوبة. وهذا طموح وجدته لدى جميع القيادات السياسية اليسارية والديمقراطية التي التقيتها الأسبوع الماضي.
للحالة المغربية خصوصية كما أي دولة عربية أخرى، لكن ما يمكن تسجيله أن القيادة السياسية تمكنت بحنكة سياسية إبعاد بلادها من أزمة سياسية مستفحلة بأقل الخسائر مقارنة بدول أخرى في المغرب والمشرق العربيين. ولعل تمسكها بالحل السياسي ونبذ المعالجة الأمنية قد يكون سبباً رئيساً في هذا العلاج المر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٦٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٧-١٢-٢٠١٢)