تعشق الصحراء ورؤية السماء.. وترفض السكن في الأحياء

حصة العيد.. مسنّة سعودية تجاوزت المائة عام.. وتسكن خيمة في «براري» الرس

أم عيد أثناء حوارها مع محرر «الشرق»

طباعة ٣ تعليقات

القصيمأحمد الحصين

ترفض المواطنة السعودية «حصة العيد» المعروفة بأم عيد، التي تجاوزت العقد العاشر من عمرها، وتعيش داخل خيمة في محافظة الرس في منطقة القصيم، السكن داخل أحياء المدينة، رغم ما كابدته في عيش البراري.
وكانت المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي قد تداولت خبر وجود عائلة فقيرة تعيش في خيمة في الرس، لكن أم عيد قالت لـ»الشرق» بعطف شديد وإحساس أمومة طاغٍ وبصوت ينبئ عن سنين طويلة من المعاناة، إنها لا ترغب في الخروج من خيمتها لعشقها الصحراء ورؤية السماء، لكنها لم تمانع في نفس الوقت من إيجاد سكن لها يجعلها ترى السماء والأرض، مؤكدة أنها لا تخاف على نفسها من سكنها في الخيام.

حب الصحراء

وقالت أم عيد «إن الله بارك لي في الصحراء وبارك لي فيما يرزقني من أموال أهلي وأهل الخير، وقد وصلت لمرحلة الضجر من الذين يدخلون علي ويسألونني عما أريد، فأنا أرغب في الصحراء والسماء منذ طفولتي ولا أريد تغيير نمط حياتي، وقربي من البنيان يجعلني أشعر بالمرض، فالصحراء تمدني بسعة الصدر وطول البال والتفكر، ولا أرغب في تغيير حياتي إلا بمكان يمدني بسعة الصدر». وأضافت أم عيد «سكنت هذا المكان منذ خمس سنوات، وأهل المخطط جيراني، وسكنت معهم لحبهم لي وحبي لهم، وهم من أتوا بي إلى هذا المكان، حيث كنت في وقت سابق أقطن بجانب مزارعهم، ولكن قيام الأحياء وهجرانهم تلك المزارع ورغبتهم فيّ جعلهم ينقلونني معهم إلى هذا المكان، ورغبتي كذلك فيهم لأنهم يعرفونني منذ عقود، وأنا أحب البرية ولست أخاف من الصحراء، ولو رحلت من هذا المكان لوصلت لمرحلة الخوف الحقيقي».

شعور بالضيق

وذكرت أم عيد أنها لا ترغب في السكن داخل الأحياء وخاصة في المنازل المسلحة، لأنها تُشعرها بالضيق وتحرمها من الإحساس بالناس والزيارات بشكل كبير، مؤكدة أن المحسنين يرسلون كثيراً من مندوبيهم كل فترة، وقالت أطلب منهم الدخول ولكنهم يرفضون، مؤكدة أنها محسنة للغير، وما يأتيها من الضمان الاجتماعي تتصدق بجزء منه في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأضافت «أتاني أحد المواطنين وبيّن لي أنه من الجمعية الخيرية في الرس، وقلت له إني أريد أن آكل وأشرب ولست أرغب في مال وأريد من يقوم باحتياجاتي لا غير».

عشق الخيام

وذكرت أنها قد بقيت في هذا المكان لرغبتها في رؤية السماء وعشق الخيام، قائلة «لا أحتاج لسواهما، والعمر لم يتبقَّ منه كثير لكي أكافح وأنافح للبحث عن رغد عيش، ولربما يفتقدني أهلي في أي يوم، والناس لا تعرف ما الذي يحتاجه الإنسان، وأنا لست من النوع الذي يطلب وينزل نفسه بعد هذا العمر لكي أكون عالة على المجتمع، فحياتي هنا أسعد بما أمتلكه من بساطة، وجميع أهلي وأبناء أبنائي ومعارفي يزورونني باستمرار داخل هذه الخيمة، ولا أرغب في السكن داخل البيوت التي لا توجد داخلها سعادة»، مبينة أن المرض يزداد لديها كلما اقتربت من البنيان، وأكدت أم عيد أن الناس ليسوا مثل الزمن الماضي باجتماعاتهم، مؤكدة أن عمرها لا يساعدها على مفارقة ذلك المكان الذي عاشرته منذ زمن، وأكدت أم سامي أن لديها ثمانية أبناء جميعهم توفوا، ولديها ابنة وحيدة سكنت بجوارها في الرس ولا ترغب مفارقتها هي وأبناؤها.

إساءة للمحسنين

وقالت أم عيد «الخيمة تجمع جميع أقربائي، ولو كنت داخل أحد الأحياء لن أرى أحداً منهم، ولو رُزقت بسكن قريب لموقعي لن أرفض رزقاً يأتيني من الله سبحانه، ولكن تكرار الطلب من قِبل مندوبي المحسنين يشعر المحتاج بالضجر والدونية، وقد رضيت ببيت من أحد المحسنين في زمن مضى، ولكن المحسن إلى ابن بنتي، وفكرت حينها أن ذلك المنزل قد يتسبب لي في مشكلات أنا في غنى عنها، وعديد من مندوبي المحسنين قدموا لي في رمضان ودائماً يكررون كلمة ما الذي تريدينه، وأنا لست أريد منهم بل أريد ما عند الله سبحانه، ورسالتي لأهل الخير أن لا يتكلوا على من يرسلون، لأنهم أساؤوا للمحسنين، ولو علم المحسنون ما الذي يفعلونه لتوقفوا عن إرسالهم».

مائة عام

واستنكرت أم عيد الطرق التي تمارس على الضعفاء، فهي ما تجعلهم يتركون كل ما يأتيهم من رزق، وختمت قائلة «لم يبقَ لي من عمري كثير، ولست أملك منزلاً واحداً، وعمري فاق مائة عام، وحياتي امتلأت بالذكريات المتفرقة التي تكفيني لأسعد بها بقية حياتي، ومن أراه محتاجاً وله حق أكثر مني أتصدق عليه وأعطيه من مالي، ويكفيني جيراني الذين يملؤون الدنيا عليّ ونعمة الله علي تغنيني عن كل الناس.

زيارة الجمعية

وأكد رئيس جمعية محافظة الرس الشيخ ناصر الدهلاوي، أنه بعد أن تناقلت عديد من برامج التواصل مؤخراً وجود عائلة فقيرة تسكن في أحد أحياء محافظة الرس في خيمة معرضة للبرد والمطر، قامت الجمعية وهي الجهة المعنية بمساعدة الفقراء والمحتاجين في المحافظة، بدورها حيال ذلك الموضوع، وتوجه على الفور عدد من المختصين إلى مقر العائلة، وتبين أنه سبقت زيارتهم قبل ما يقارب عام وتم الوقوف على مقر العائلة الذي هو عبارة عن: خيمتين وغرفة مع دورة مياه من الحديد (الشينكو) مع وجود خزان مياه، وتمت مقابلة امرأة عجوز مع ابنتها، وتم توجيه السؤال لها عن سبب وجودهم في هذا المكان، فقالت المرأة: إن لديها أبناء يسكنون في منزل في أحد الأحياء في محافظة الرس، وإنها لا ترغب في السكن في البيوت، وهي من طلبت من ذويها السكن في هذا المخيم لكونها ترتاح نفسياً فيه، كما ذكرت أن ابنتها وأحفادها يأتون إليها بين فترة وأخرى.

استئجار منزل

وأضاف الدهلاوي «طلبنا منها رقم هاتف جوال أحد أبنائها أو شخص من ذويها يتم التفاهم معه، فأعطتنا رقم هاتف أحد أبناء ابنتها وتم الاتصال به أكثر من مرة وكان الجوال في أكثر المرات مغلقاً أو لا نتلقى إجابة، وعرض عليها أن يتم استئجار منزل خاص بها وتتولى الجمعية رعايتها وتقديم المساعدة المالية لها ولأسرتها، إضافة إلى تأمين المواد الغذائية وما تحتاجه من مستلزمات أخرى، وتسديد كامل إيجار المنزل، فرفضت وذكرت أنها مرتاحة في هذا المكان الذي تسكن فيه، وأكد الدهلاوي أن الجمعية على أتم الاستعداد لتقديم جميع ما يحتاجه المحتاج، وأنها لم توجد إلا لمساعدتهم، وتسعد بالتواصل معها في إبلاغها عن مثل تلك الحالات، مؤكداً أنه سيكرر الزيارة وسيتواصل مع أحد ذويها مرة أخرى وبشكل متواصل.

جانب من سكن أم عيد الذي لا ترغب في الخروج منه

 

خيمة أم عيد من الداخل كما هي لم تتغير منذ عقود

 

جانب من سكن حصة العيد من الخارج(الشرق)

 

حفيظة نفوس أم عيد التي اطلعت عليها «الشرق»

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٧١) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٩-١٢-٢٠١٢)