قطر.. بعد دعمها صالح والحوثيين تتوقف عند الإخوان وتفرض أجندتها على هادي وحكومته

ربيع الدوحة في صنعاء يثمر نفوذاً لحساب حلفائها الجدد

وزير خارجية قطر وعلي صالح في صنعاء 2010

طباعة التعليقات

صنعاءالشرق

حرب الحكومة اليمنية والحوثيين في 2004 أعادت قطر عبر مبادرة سياسية.
قياديٌّ في المؤتمر الشعبي لـ الشرق: صالح كان يتوقع انقلاباً من الأحمر بدعم قطري.
البرلماني سيف حاشد: قطر تدعم حزب الإصلاح الإخواني بـ17 مليار ريال يمني شهرياً.
الإخوان ضغطوا على الرئيس هادي وباسندوة للتوجه سياسياً صوب الدوحة.

تلعب قطر دوراً سياسياً في اليمن بعد ثورة شبابه استكمالاً لدورها الذي بدأ خلال حرب عام 1994 بين الحكومة اليمنية والجنوبيين.
وبدأت العلاقات القطرية اليمنية الدخول في خانة التأثير والتأثر بعيداً عن تقاليد العمل الدبلوماسي المتعارف عليها حين أعلنت الدوحة وقوفها إلى جانب الرئيس السابق علي عبد الله صالح وحلفائه الإخوان المسلمين في حربه ضد الجنوبيين الذين أعلنوا الانفصال حينها بعد أربع سنوات فقط من الوحدة بين شطري البلاد، التي أُعلِنَت عام 1990.
وبعد انتصار صالح وحلفائه على الجنوب اقتصر الدور القطري على تقديم دعم بسيط في جوانب أمنية تتعلق بمعدات لوحدات القوى الأمنية اليمنية، إضافة إلى دعم بسيط في الجانب الخدماتي لم يكن له أثر مُشاهَد على الواقع في اليمن كما هو حال الدعم السعودي والكويتي والإماراتي في تلك الفترة والسنوات التي سبقتها.
وبعد ترسيم الحدود بين اليمن والمملكة، رأت قطر هذا التطور في علاقة صنعاء والرياض تجاوزاً من الرئيس صالح كون قطر كانت قبلته الخليجية الوحيدة منذ عام حرب الخليج.

الدخول عن طريق الحوثيين

ثم جاءت حرب الحكومة اليمنية والحوثيين في 2004 لتمثل مدخلاً مناسباً اتخذته قطر للعودة إلى اليمن، وكان موقفها متناغماً مع موقف إيران من الحرب على الحوثيين، بل تعدى ذلك إلى تبني خطاب إعلامي مناهض لموقف حكومة صنعاء ومؤيد للحوثيين، وكانت صعدة هي الثمرة التي أرادت قطر أن تقطفها للانتقام من صالح ونظامه وإيجاد مكان لها تتحرك فيه بسهولة.
وفي عامي 2007 و2008 كانت قطر هي اللاعب رقم واحد في شمالي الشمال اليمني وتحديداً في محافظة صعدة، واستطاعت جر الحوثيين إلى صفها لاستخدامهم كورقة في اليمن، وكانوا مجبرين على قبول الدور القطري كونهم لم يجدوا أي سند دولي لمشروعهم الطائفي إلا من قطر وإيران.
وبعد توسع رقعة الحرب واستعصاء هزيمة الحوثيين على القوات الحكومية، طرحت قطر مبادرة لوقف الحرب مثلت حسب المراقبين حينها «ولادة جديدة للحوثيين» كون موافقة الحكومة على رعاية طرف دولي مبادرة بين الحكومة ومتمردين عن الدولة تعدّ اعترافاً بالحوثيين كجبهة وطرف له الحق في المناورة ورفض وقبول بنود المبادرة وليس الانصياع للقانون والدستور المنظم لأمور الدولة التي يعيشون فيها.
قَبِلَت الحكومة اليمنية المبادرة وعرضت قطر إعادة إعمار صعدة وتعويض المتضررين، وأرسلت فريقاً عسكرياً إلى صعدة في 13 فبراير 2008 بقيادة مساعد وزير الخارجية القطري، سيف البوعينين ، للإشراف على تنفيذ المبادرة بين الحوثيين والحكومة في وقت كانت فيه غالبية الأطراف بما فيها الحكومة ترفض التدخل القطري الذي أتاح للحوثيين التحدث كطرف يساوي الدولة وليس تابعاً لها.
ولم يستطع صالح وكبار معاونيه حينها تحمل فجاجة التدخل القطري والإملاءات التي أتت لصالح الحوثيين وإدانة الجيش اليمني الذي يقاتل المتمردين في جبال صعدة، ليعلن صالح بطريقة غير مباشرة موت المبادرة القطرية ويوجه انتقادات حادة لقطر كونها كانت طرفاً إلى جانب الحوثيين وسعت لا لإنهاء الحرب بل للعب دور سياسي في اليمن ابتداءً من صعدة.
وكان وزير الإعلام اليمني الحالي علي العمراني، الذي كان حينها عضواً في البرلمان، أول من هاجم الدور القطري والتحرك تجاه صعدة، واتهم قطر وإعلامها بتنفيذ حملة لتقويض الاستقرار في اليمن والدعوة إلى إعطاء الحوثيين حق تقرير المصير وتأييد حمل السلاح وأخذ الحقوق بالقوة.
وقال «العمراني»، في إبريل 2010، إن اليمنيين خاب ظنهم في قطر عندما لاحظوا التغير في سياستها تجاه اليمن، ورأى الموقف القطري ردة فعل لا تستند إلى رؤى بعيدة المدى أو استراتيجيات مستقرة نسبياً أكثر من استرشادها وتأثرها بإرث ثقافة العشائر والأعراب الذين تستفزهم الصغائر وتتحكم فيهم الأحقاد.

التحالف مع علي محسن

ولأن اللواء علي محسن الأحمر، القائد العسكري اليمني المحسوب على الإخوان المسلمين، كان ممثلاً لحكومة بلاده في مبادرة قطر مع الحوثيين، فقد استغل التواصل مع القطريين منذ عام 2008 لبناء علاقات شخصية بقيادات قطرية أثمرت عام 2010 عن تمسك قطر باللواء الأحمر للاستفادة منه في لعب دور لها في اليمن.
وجاء رفض الرئيس اليمني السابق حضور قمة غزة التي انعقدت في 16 يناير 2009 في الدوحة ليضيف كثيراً إلى تعقيدات علاقته بقطر، ويقود الدوحة إلى صف خصومه الذين كانوا حينها مع حضور اليمن قمة غزة بزعامة الدوحة ودمشق.
وعَرَف القطريون نفوذ اللواء علي محسن الأحمر والتحالف القبلي – العسكري – السياسي الذي يتزعمه في اليمن، فبدأت تحركات قطر نحو الدفع بالرجل إلى الواجهة في اليمن من خلال دور سياسي له في تكتل اللقاء المشترك.
وذكر سياسي بارز لـ»الشرق» أن القطريين كانوا يعدون اللواء الأحمر لحكم اليمن من خلال مشروع اتفق عليه الطرفان عام 2010 قبل أن تنطلق ثورات الربيع العربي.
وأضاف السياسي، الذي ينتمي إلى التنظيم الشعبي الوحدوي الناصري ورفض كشف هويته، أن علي محسن كان يتحرك نحو بناء تحالف عسكري وقبلي وسياسي عبر اللقاء المشترك بدعم من قطر، وأنه كان يعمل مع صالح بصورة ظاهرية فقط وينشط لصالح المشروع القطري، خاصة بعد أن قام الرئيس السابق بتعيين قادة عسكريين في وحدات تابعة له متجاوزاً سلطته المطلقة في الجيش منذ سنين، ولم يسبق أن عيَّن صالح أي قائد عسكري دون إشعار الأحمر.
في السياق ذاته، تحدث أحد قادة حزب صالح (المؤتمر الشعبي العام)، وهو من المقربين للرئيس السابق، لـ»الشرق»، عن معلومات قال إنها تُكشَف لأول مرة وتتعلق بتهريب صالح أفراد أسرته إلى بريطانيا بعد التعيينات التي أجراها في الوحدات العسكرية في المنطقتين العسكريتين الشمالية الغربية والشرقية اللتين تتبعان نفوذ اللواء الأحمر وتمتدان من الحديدة غرباً إلى حضرموت شرقاً.
وقال القيادي في حزب صالح إن الرئيس السابق كان يتوقع انقلاباً عليه من قِبَل علي محسن الأحمر، وبدعم من قطر في ذات الفترة، فأبلغ واشنطن حينها لكنها طمأنته بوقف أي دور قطري في هذا الاتجاه إن كان لقطر دور بالفعل.
واستمرت علاقة النظام اليمني بقطر في دائرة التوتر، وأوقفت الدوحة الدعم الذي أعلنت عن تقديمه لليمن في مؤتمر المانحين في لندن عام 2006 وقدره نصف مليار دولار، إضافة إلى وقف برامج كثيرة كانت أعلنت عن تمويلها في اليمن، منها مدينة سياحية كبيرة تقع على أهم مواقع العاصمة اليمنية في جبل عصر المطل على كل صنعاء.

الربيع العربي

وبعد انطلاق شرارة الثورات العربية العام الماضي ابتداءً من تونس، وجدت قطر فرصة ذهبية لا تعوّض، ودخلت بكل ثقلها المادي والإعلامي والسياسي لمساندة المعارضة اليمنية، وكان وزير خارجية قطر أول طرف دولي دعا الرئيس السابق إلى التنحي عن السلطة.
ووصل الحال بقطر إلى تسيير مظاهرات للجالية اليمنية في الدوحة، طالبت فيها صالح بالتنحي عن السلطة رغم أن زخم الاحتجاجات الشعبية ضده كان لايزال ضعيفاً حينها.
وبعد إعلان المبادرة الخليجية، أعلن الرئيس السابق ترحيبه بها ورفض التدخل القطري أو الخارجي في الشؤون الداخلية لبلاده.
وقال صالح، في الثامن من إبريل 2011، أمام حشود هائلة من أنصاره في ميدان السبعين، «شرعيتنا نستمدها من قوة شعبنا اليمني العظيم وليس من قطر، والمبادرة القطرية مرفوضة»، في إشارة إلى حديث وزير خارجية قطر عن مبادرة لتنحي صالح عن الحكم.
وانسحبت قطر بعد ذلك من المبادرة الخليجية لأنها رأت فيها امتيازات لصالح النظام الذي يعدّ خصماً لها.
وبين إعلان المبادرة الخليجية وتوقيع صالح عليها عملت قطر على دعم الاحتجاجات ضدها من خلال دعم مالي كبير كانت تقدمه لقادة المعارضة خصوصاً من ينتمون للإخوان المسلمين.
وكشف النائب في البرلمان اليمني أحمد سيف حاشد، أكثر من مرة عن ضخ دولة قطر دعماً مالياً لحزب الإصلاح (الذراع السياسي للإخوان المسلمين في اليمن، وأكبر أحزاب تكتل المشترك) قيمته 17 مليار ريال يمني شهرياً (الدولار = 225 ريالاً يمنياً).
واتهم حاشد، وهو من قادة الاحتجاجات ضد صالح، قطر بتجيير الثورة ضد صالح لحساب حركة الإخوان في اليمن الذين يعدون حلفاء قطر في المنطقة حالياً، وتقود هي تحركاتهم في ليبيا وتونس ومصر واليمن وفلسطين.
وبعد خروجه من السلطة، عدّ صالح، في هجوم حاد على قطر في الثالث من سبتمبر الماضي، الدوحة مسؤولة عن التخريب والفوضى التي وقعت في بلاده، كما حمَّلها المسؤولية عن التداعيات المستقبلية للوضع بسبب تدخلها الذي وصفه بالسافر في الشأن اليمني.

ضغطٌ على الرئيس هادي

ومع وصول الرئيس عبدربه منصور هادي للسلطة ضغط الإخوان المسلمون على الرئيس الجديد للتوجه صوب قطر سياسياً كما فعلوا ذلك من قبل مع رئيس الوزراء محمد سالم باسندوة، حيث أقنعوه بأن يعلن أن أول زيارة له ستكون إلى قطر ليعود بعد يومين وينفي ذلك ويؤجل زيارة قطر إلى ما بعد زيارة المملكة.
لكن القطريين وجهوا صفعة قوية لرئيس الوزراء حين زار الدوحة في التاسع من إبريل الماضي فلم يستقبله أحد من قادة قطر باستثناء ولي العهد، الأمر الذي عُدّ مؤشراً على طمع قطر في لعب دور كبير في اليمن واحتجاجها على تأجيل زيارة سالم باسندوة للدوحة إلى ما بعد الرياض.
بدوره، استطاع اللواء علي محسن الأحمر التأثير على الرئيس الجديد بالتوجه إلى قطر لبحث عدد من الملفات في الداخل، منها ملف التعيينات في الوظائف الحكومية العليا ومنحِ الإخوان المسلمين مناصب كبيرة في الدولة والجيش، وهو الأمر الذي طرحه الجانب القطري على الرئيس هادي خلال زيارته للدوحة برفقة اللواء الأحمر في الثاني من أغسطس الماضي.
وأسفرت زيارة هادي للدوحة عن حصول الإخوان على مناصب مهمة في الجيش والمؤسسات الحكومية وأجهزة الأمن، حيث تم تعيين أكثر من 22 من كوادرهم في مناصب ذات أهمية كبيرة بعد الزيارة بأيام قليلة.
من جانبه، شن المعارض السياسي عبدالله سلام الحكيمي، من منفاه في مدينه شيفلد البريطانية، هجوماً لاذعاً على الرئيس هادي وانتقد تعييناته الأخيرة وعدّها توليفة بين أقارب وأتباع هادي والإخوان.
واتهم الحكيمي الرئيس بالانقلاب على شركاء الثورة، وقال إن ما حدث في اليمن ليس له أي علاقة بالتغيير المنشود ولا يعد سوى انقلاب بدأت فصوله وملامحه تتشكل في زيارة هادي الأخيرة لقطر بالتعاون مع الإخوان وآل الأحمر واللواء علي محسن، واصفاً الأمر بـ»انقلاب صامت» قاموا به على سائر شركاء العملية السياسية الانتقالية.
ووفق المعطيات الحالية، يسقط اليمن بين ثلاثة مشروعات تتنازعه، المشروع الإيراني والتركي والقطري، بالتعاون مع الحوثيين والإخوان، ليعزز سادة الأمس في اليمن وجودهم بطرق جديدة وداعمين جدد بعيداً عن التغيير وأحلام الغد المختلف الذي خرج من أجله ومات وجُرِحَ آلاف من شباب الثورة اليمنيين.

اللواء علي محسن وسفير قطر في صنعاء


أمير قطر وعلي صالح في موقع مشروع مدينة قطر السياحية في صنعاء (الشرق)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٧٤) صفحة (٢٤) بتاريخ (١٢-١٢-٢٠١٢)