في الخليج العربي رجال نذروا أنفسهم لأوطانهم لا ينتظرون منة ولا مكرمة من أحد، ويفضلون الرحيل بهدوء شديد دون ضجيج أو «بوزات» إعلامية. فالعظماء لا يستجدون من أحد لفتة أو مكرمة ضربوها عرض الحائط حين كان الجد.العم جاسم عبدالعزيز القطامي، واحد من هؤلاء العظماء الذين أثروا، ليس الساحة الكويتية فحسب، إنما الساحتين العربية والعالمية بجهود ومثابرة في ترسيخ منظومة القيم الإنسانية العليا. رحل القطامي في الثلاثين من يونيه 2012، بعد حياة حافلة بالعطاء الذي لا ينضب معينه رغم الغياب. صحيح أن الخليج يطفو على نحو %70 من الثروة النفطية، وصحيح أن دولة الكويت الشقيقة يعد دخل الفرد فيها من أعلى الدخول الفردية في العالم، لكن الصحيح أن هذا الخليج يولد في أرضه كبار أوفياء بقامة جاسم القطامي الذي حضرت يوم الإثنين الماضي احتفاءً وتكريماً له من قبل جمعية الخريجين الكويتية. في البدء فاجأني الحضور الجماهيري الذي لم أتوقعه، حيث تعودنا في المنطقة على الكسل وعدم المشاركة في الفعاليات الثقافية والاجتماعية تحت ذرائع شتى. فقد غصت قاعة الجمعية في الكويت العاصمة بشباب لم يعاصروا القطامي وبأصدقائه الذين عاشوا مراحل من عمرهم معه. افتقد الحضور زوجة المرحوم التي لم تتمكن من الحضور لأسباب صحية، لكن جاسم الصغير حفيد القطامي العملاق، كان حاضراً وفي عينيه تلمع صورة جده، وفي حركاته تذكير بذاك الذي مضي و»لم يفقد ظله».تعرفت على رجل الكويت المرحوم جاسم القطامي في فبراير 1983، في طرابلس الغرب عاصمة ليبيا، وقد عرفني عليه المرحوم عبدالرحمن النعيمي، الذي قال لي: هذا واحد من الرجال القلائل في الوطن العربي الذين يرفعون شأن العروبة والديمقراطية والمواطنة الصالحة.. ويدافعون عن مصالح أمتهم حتى الموت في سبيل مبادئهم السامية.سألت أكثر عن أبي محمد القطامي، فقيلت لي قصص وروايات تمتد في عمق تاريخ الكويت ما قبل الاستقلال. كان مديراً للشرطة الكويتية إبان العدوان الثلاثي على مصر في 1956، وكانت الشوارع العربية تعج بالمتظاهرين الرافضين لذلك العدوان، وبضغط من الإنجليز طلب منه قمع التظاهرات التي خرجت في الكويت، ولعل هذا كان أول امتحان مفصلي في حياة الرجل العملية التي لم تكن سهلة أصلاً، كان الخيار بين أن يقمع أبناء بلده الذين خرجوا للتضامن مع الشعب المصري، وبين خلع بزته العسكرية التزاماً بمبادئه العروبية التي كانت تسري في دمه منذ نعومة أظافره. ولأن العظماء يختارون أوعر الطرق للوصول إلى أهدافهم، فقد خلع القطامي بزته والتحق بالمتظاهرين في شوارع الكويت فور استقالته من سلك الشرطة.
لم ينتظر جاسم القطامي شكراً على واجب قومي قام به التزاماً بمبادئه وهو ابن حركة القوميين العرب التي كانت الكويت مركزاً رئيسياً لها في منطقة الخليج، حيث كان الدكتور أحمد الخطيب والمرحوم سامي المنيس وعبد الله النيباري كشخصيات بارزة في الحركة. وكان القطامي يفحص الطريق التي ترفع من شأن الكويت وأمتها، فلم يتردد في تأسيس وزارة الخارجية الكويتية بعد أن طلب منه أمير الكويت الأسبق المرحوم عبدالله السالم، فقام أبو محمد بالواجب الوطني وعبد الطريق أولاً لاعتراف الجامعة العربية بها كدولة مستقلة رغم الرفض الشديد والقاطع من الجار الشمالي الذي كان يتزعمه حينها عبدالكريم قاسم. بل وأسس وزارة بخبرات عربية من مصر وبعض الدول العربية التي سبقت تجربتها الكويت في الحقل الدبلوماسي.لم يكن القطامي رجلاً عادياً، وكان يتحدى ويفوز بالرهان في العمل الوطني والقومي، وهو يعد من مؤسسي اتحاد كرة القدم الكويتي ومن الكتاب المثابرين في مجلة البعثة التي كان يصدرها طلبة الكويت في مصر، ومن مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان ورئيسها لأول دورتين لتؤسس حالة جنينية من الوعي الحقوقي الذي كان يعد جديداً وجنينياً في مفهومه، لكن القطامي سبر غوره ونجح في ذلك، ليؤسس جمعية حقوق الإنسان الكويتية، وهي تعد خطوة رائدة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لحقته جمعية شقيقة في البحرين، لكن بعد نحو عشرين عاماً.حسنا فعلت جمعية الخريجين الكويتية التي احتفت بقامة باسقة من طراز المرحوم جاسم القطامي، وخصصت معرض صور له، كان الفضل الكبير فيه لعضوة إدارة الجمعية الأخت مها البرجس التي كانت الدينامو والجندي المجهول في هذه الاحتفالية التي عُرض فيها أيضا فيلم عن حياة الراحل في القاعة الرئيسية، سرد إلى جانب معرض الصور جزءاً يسيراً من تاريخ العم جاسم. تاريخ يجب أن يدرس، ليس في الكويت فحسب، بل على مستوى دول مجلس التعاون أيضاً. فهذا الرجل عظيم بعطائه للكويت والخليج والعرب والإنسانية. كأن القطامي كان يهمس بصمت في آذاننا بوصية الحفاظ على العروبة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٧٦) صفحة (١٩) بتاريخ (١٤-١٢-٢٠١٢)