تواجه عملية الحوار الوطني في دول الربيع العربي عقباتٍ كبيرةً تحول دون إتمامها حتى الآن، على الرغم من مرور عامين على بدء تغيير الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، ما يشير بوضوح إلى خلل يحول دون الانتقال إلى مرحلة الديمقراطية.
في اليمن، تواصل لجنة الإعداد للحوار الوطني الشامل عملها منذ أشهر، دون أن يبدأ الحوار؛ بسبب عدم موافقة قوى سياسية ومجتمعية على الدخول فيه، وفي مصر، يضع كل طرف شروطاً مسبقة قبل أية مباحثات، ويصر كل تيار على وجهة نظره، وكذا في تونس، فيما تظل بعض المشكلات عالقة في ليبيا.
وفي سوريا، التي لم تكتمل ثورتها بعد، نسمع عن خلافات بين ألوان الثورة تعطل الاتفاق على شكل المستقبل، وآليات تداول السلطة.
وفي الواقع لا يرتبط فشل عملية الحوار بالثورات وحدها، فلدينا حركتا فتح وحماس اللتان لم تنجحا في إتمام المصالحة الوطنية الفلسطينية منذ نحو خمس سنوات، على الرغم من كل ما تبذله الوساطات العربية، ولدينا أيضاً نموذج آخر غير ناجح في المفاوضات المتعثرة بين الخرطوم وجوبا.
نحن أمام حالة فشل عربي مستمر وقديم في الحوار من أجل المصالح الوطنية، إلا من بعض استثناءات معدودة، وقد كان الفشل في الحوار مبرراً في مرحلة ما قبل الربيع العربي بدعوى أن الأنظمة دائماً ما تتحايل على مطالب الإصلاح، وترى في الحوار آلية لإضاعة الوقت والمماطلة، كان هذا التبرير مريحاً لكثيرين، لكن زوال هذه الأنظمة لم يفرز جديداً؛ فباتت المعارضة تتصارع فيما بينها، وترفض التوافق على أهداف مشتركة.
وتكمن الخطورة في أن هذه الحالة تعصف بمسار التغيير برمته، وتُضعِف ثقة الجماهير العربية في الإصلاح، وتضع أكثر من علامة استفهام حول آلياته، فهل كانت أطياف المعارضة في دول الثورات متفقة على هدف التغيير؟ أم أن الاتفاق كان مقتصراً على الإطاحة بالأنظمة، وليس التغيير في جوهره؟ تساؤلٌ قد لا يحتاج وقتا طويلا لإجابته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٨١) صفحة (١٩) بتاريخ (١٩-١٢-٢٠١٢)