أريد أن أوضح، بل أؤكد أني حينما رأيت أن رياح التطوير قد هبت على منطقتنا، وأنها ستظل تهب بتأثير تلك العوامل الدولية القوية التي أثرت على المجتمعات العربية وستؤثر في استقرارنا ما لم نطور نظامنا السياسي بما يتناسب مع متطلباتها..
أريد أن أؤكد أني حين قلت هذا لا أجزم بصحة تشخيصي، فما قلته رأيٌ يحتمل الصواب والخطأ، فما أنا إلا مجتهد لا يزكي آراءه، لكني لست الوحيد الذي يرى ذلك بل كثير من النخب العالمية والعربية والخليجية والمحلية يرون أننا لسنا بمنأىً عما حصل بالمنطقة العربية، ويختلفون في نوعية التأثير ودرجة قوته، ولن أستشهد برأي أحد النخب العالمية أو العربية أو حتى الخليجية، بل سأستشهد برأي واحد من أهل الدار، ولن يكون من طبقة المثقفين الذين يُنظّرون أحياناً ولا ينطلقون من الواقع، بل سأستشهد برأي رجل أعمال كبير، ورجال الأعمال عادة لديهم حاسة شم قوية تجعلهم يشمون الأخطار التي تهدد مصالحهم من على بعد آلاف الكيلومترات، لكنهم مع هذا اشتهروا بالإحجام عن التعبير عن مخاوفهم لأسباب معروفة، ولذلك فحين يعبرون فهذا يدل على شعور لديهم بالخطر الشديد، كما أن رجل الأعمال الكبير هذا الذي سأستشهد بأقواله ليس بعيداً عن مطبخ المنزل، بل من أقرب القريبين، وهو الأمير الوليد بن طلال.
الأمير الوليد له آراء صريحة متميزة عبر عنها في عدة مقابلات صحفية عالمية، وقد رفع أصابعه العشر خلالها منبهاً ومحذراً فقال على سبيل المثال: إذا كان هناك درس يمكن تعلمه من الربيع العربي فهو أن رياح التغيير التي تهب على المنطقة في الشرق الأوسط ستصل في النهاية كل الدول العربية، لذا فإنها فرصة خاصة للأنظمة الملكية التي لازالت تتمتع بالشرعية والجماهيرية للبدء في اتخاذ تدابير من شأنها أن تجلب المزيد من المشاركة السياسية للمواطنين..
ويقول أيضاً: هذا هو الوقت الملائم للأنظمة الملكية العربية التي تتمتع بشرعية وشعبية كبيرتين لدى الجمهور كي تبدأ في إجراءات تؤمن المزيد من مشاركة المواطنين في الحياة السياسية لبلدانهم.. ويذهب في توقعاته وتحذيراته لما هو أبعد من ذلك فيقول: إن الإجراءات التجميلية ستزيد من مشاعر النقمة والتشاؤم والشعور بأنه لا يمكن تحقيق تغيير فعلي إلا عبر الانتفاض والعنف..
ويؤكد أن الالتزام بالإصلاح ضروري للحفاظ على الاستقرار فيقول: لكن مواطنينا صغاراً وكباراً يدركون حقيقة أنه من أجل الحفاظ على الاستقرار وعلى بيئة مناسبة للإصلاح فإن هناك حاجة لنهج تطويري قائم على الاستعداد للتحلي بالصبر شريطة أن يتمكنوا من ضمان التزام قادتهم بالإصلاح. وبالتأكيد فالأمير الوليد مثلي لا يمكن أن يقطع بصواب رأيه وصحة تشخيصه، لكنه مجتهد يحاول أن يحمي وطنه ومجتمعه ومصالحه من الأخطار المحتملة حسب اجتهاده، كما أننا بشر لنا عقول وآذان وعيون والمفروض أن نتلفت حولنا ونسمع ونفكر ونحلل ونعتبر ونستفيد من الدروس.

•••
• صدر بيت شعر ذهب مثلاً في القول الصادق والنصيحة المخلصة الصائبة، وعجزه: فإن القول ما قالت حذام.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٨١) صفحة (١٨) بتاريخ (١٩-١٢-٢٠١٢)