حين يقفز عدد المشروعات المتعثرة، في أي بلاد في العالم، إلى ثلاثة آلاف مشروع؛ فإن ذلك يعني أننا أمام رقم فلكي بكل ما تعني الكلمة من دقة. ويعني ـ أيضاً ـ أن آليات الإشراف والمتابعة الحالية تعاني خللاً عميقاً يكشف عن هوة واسعة بين الأنظمة والتطبيق.
وحين صرّح نائب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن «الخلل الإداري» يقف وراء هذا الرقم الفلكي من المشروعات المتعثرة؛ فإن الدكتور عبدالله العبدالقادر الذي قال ذلك صراحة كان يركز على أهمية توفير المناخ الملائم لتنفيذ المشروعات التنموية، لتحقيق أهداف جهود مكافحة الفساد التي تعمل عليها ست جهات حكومية.
العبدالقادر كشف عن حزمة من الأنظمة لمكافحة الفساد، لكنه لم ينسَ أن يتحدّث عن المشكلة التي تواجهها هذه الـ «حزمة».. إنها مشكلة «عدم التطبيق»، وإلا فإن 46 آلية لمكافحة الفساد قادرة على مواجهة الفساد مواجهة عملية تقلّص كثيراً من الأخطاء والتجاوزات إلى مستويات آمنة جداً.
قد لا يكون الفساد الصريح وراء هذه الآلاف من المشروعات. ولكن الفساد درجات ومستويات أيضاً. فالمسؤول الذي يتراخى في محاسبة منفذي المشروعات يمارس فساداً، والمسؤول الضعيف فاسدٌ أيضاً. فضلاً عن المسؤول الذي يورّط ذمته في التهاون أو الصمت على المخالفة أو الشراكة، أو الدخول في أية دائرة من دوائر تضارب المصالح.
فالمسؤول مسؤولٌ، فعلاً، حين ندقّق في جوهر الكلمة ومعناها وأبعادها الأخلاقية والدينية والسياسية والاجتماعية. وديننا الإسلامي أصّل هذه الحقيقة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً على لسان النبي (صلى الله عليه وسلم) حين قال «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وهذا يعني أن الوزير راعٍ ومسؤول، والمدير راعٍ ومسؤول، والرئيس راعٍ ومسؤول، وكل ذي وظيفة راعٍ مسؤول، بصرف النظر عن حجم المنشأة التي يديرها وعدد العاملين فيها. ولا يمكن لبيئة عمل في أي منشأة أن تفسُد حين يفتح الجالس على رأس هرمها عينيه وفكره وعقله ويفعّل آليات الضبط والرقابة والمحاسبة الصارمة.
صحيح أن النزاهة، في الأصل، خلقٌ ذاتيّ متصل بالتربية السليمة النزيهة، ولكن الحفاظ على النزاهة يستوجب صرامة المساءلة، وتفعيل الآليات، ووضع نُظم للقائمين على تطبيق معايير النزاهة أنفسهم. وما لا يقلّ أهمية عن ذلك؛ هو مدّ جهاز مكافحة الفساد بالقوة اللازمة التي تمكنه من تطبيق المعايير تطبيقاً لا توقفه العراقيل والعقبات، ولا تعرقله الوجاهات والنفوذ ووسائل الاستقواء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٨٢) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٠-١٢-٢٠١٢)