شكلت القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس اليمني عبدربه هادي، خطوة مهمة على طريق «عصر» وتحجيم مركز القوة الذي يتمتع به الرئيس المتنحي علي عبدالله صالح، وخصوصاً في المجال العسكري والأمني. فقرار إلغاء قوات الحرس الجمهوري في 20 ديسمبر الجاري، يعني إزاحة واحد من أهم مراكز القوة، حيث كان أحمد علي عبدالله صالح نجل الرئيس السابق يقف على رأس هذه المؤسسة، وإلغاؤها يعني إزاحة العميد الركن أحمد من واجهة العمل العسكري، رسمياً على الأقل. وهي خطوة رحبت بها العواصم المعنية بموضوع اليمن ومنها دول مجلس التعاون الخليجي التي تراقب تنفيذ مبادرتها التي على أساسها أزيح الرئيس الذي استمر في منصبه أكثر من ثلاثة عقود. واستكمالاً لتقليص نفوذ الرئيس السابق فقد تم إعفاء ابن شقيقه يحيى أحمد صالح من قيادة قوات الأمن المركزي، وهذه تشكل جزءاً من مطالب الحراك الشعبي الذي يقوده شباب اليمن. ومقابل ذلك تم إلغاء الفرقة الأولى المدرعة التي كان يقودها خصم صالح اللواء الركن علي محسن الأحمر، وكأنما أراد الرئيس هادي أن يضع حداً لعملية الاستنزاف والانقسام التي تعاني منها المؤسسة الأمنية والعسكرية اليمنية، في محاولة لممارسة دوره كرئيس جمهورية بعد تعثر الحل السياسي بسبب الأوضاع الأمنية المتردية وعدم القدرة على الوصول إلى تفاهمات جدية مع كل من الحراك الجنوبي والحوثيين في موضوع الحوار الوطني، الذي يفترض منه أن ينهي حالة عدم الاستقرار المستمرة منذ اندلاع الحراك الشعبي والاحتجاجات منذ فبراير 2011. الشباب الذي لايزال يحمل هاجس الحراك بعنفوان شديد لم يجد بداً من الترحيب بالخطوة لكن بحذر مفهوم، حيث بدأ الجدل بين النخبة السياسية حول جدية الخطوة ومصير الفرقة الأولى والحرس الجمهوري اللذين تم إلغاؤهما، خصوصاً وأنهما يحملان إرثاً طويلاً وتعايشا مع ضعف الدولة المركزية لحساب الوضع القبلي الذي اعتمد عليه علي عبدالله صالح لاستمرار قبضته.
قد تكون خطوة الشطب التي أقدم عليها الرئيس هادي قادرة على تهدئة نفوس الشباب في الميادين، لكنها حقنة قد تكون مؤقتة إن لم تلحقها خطوات نحو الحوار الوطني الجاد وذي المغزى، الذي من شأنه نقل اليمن من قاع قائمة الدول الفقيرة المعدمة على مستوى العالم وهي الدولة التي تعيش على رائحة النفط وتلاصق أكبر مخزون له في العالم. فقد زادت نسبة البطالة خلال العامين الماضيين إلى مستويات قياسية تتسابق مع البطالة في قطاع غزة، حيث تشير إحصائيات البنك الدولي إلى أن نسبة البطالة في صفوف الشباب اليمني قد بلغت 60%، وارتفعت نسبة الفقر إلى أكثر من 54%، وزاد التضخم إلى 23%، وانكمش الاقتصاد بنسبة 11%. هذه المعطيات زادت عدد اليمنيين الذين يفتقرون إلى الأمن الغذائي إلى عشرة ملايين يمني، في بلد تبلغ فيه نسبة النمو السكاني 3%، وهي نسبة تشكل ضعف النمو السكاني لأبناء دول الإقليم المجاورة، ومرجح أن يقفز عدد اليمنيين من 22 مليون نسمة حالياً إلى خمسين مليوناً في 2035.
هذا الوضع لم يحرك كثيراً الدول المانحة التي تعهدت قبل عدة أشهر في نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم مساعدات عاجلة مقدارها 7.8 مليار دولار، في الوقت الذي تتوقع الأوساط الاقتصادية أن تعاني الموازنة اليمنية العامة لعام 2013 عجزاً يتجاوز الثلاثة مليارات دولار. ذلك يعني أن الاقتصاد المنهار أصلاً لن يتمكن من إحداث النقلة النوعية المطلوبة لإشاعة الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي الذي يشكل العمود الفقري لأي تطور ديمقراطي تعددي ينشده الشعب اليمني.
ربما تحتاج اليمن إلى مشروع مارشال حقيقي للخروج من الأزمات التي تعاني منها، وهي أزمات لا تعد ولا تحصى ابتداءً من تهالك البنية التحتية وشح المياه لدرجة خطيرة، وانتهاءً بوحدة البلاد تحت قيادة مركزية بعد أن تهالك المركز لصالح الأطراف القوية التي ولّدت رؤى انفصالية أخذت مناحيَ خطيرة، ليس الحراك الجنوبي يتيماً فيها، إنما امتد إلى الحوثيين والحضارمة أيضاً. فاليمن تعدّ الخاصرة الرخوة لدول الخليج والجزيرة العربية بسبب الأوضاع المتردية التي يمكن أن تشهد تدهوراً أكبر إذا تُركت صنعاء وحيدة تلملم جراحها وكأن الأمر لا يعني دول الجوار التي تواجه، هي الأخرى، استحقاقات ما بعد الربيع العربي وتزايد الحديث عن موضوع التعددية السياسية وتداول السلطة كما هو متعارف عليه في الأدب السياسي العالمي المؤصل بإعلانات وعهود دولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
نخلص من هذا الحديث إلى أن إجراءات الرئيس اليمني قد تعزز قوته وتسلمه مهامه الموزعة بين مراكز القوى بعد 13 شهراً من تقاسمها بين هذه المراكز، لكنها لن تكون كافية لتحقيق الهدف الذي من أجله خرج اليمنيون إلى الساحات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٩٠) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٨-١٢-٢٠١٢)