من المسلمات التي نلحظها ونلمسها في واقعنا الاجتماعي تضاؤل نسبة الأطباء السعوديين إلى الأطباء غير السعوديين، وتُعد في نظر كثيرين قضية مهمة يجب طرحها ومناقشة أسبابها، ووضع الحلول المناسبة لها، من عدة أطراف كوزارة التعليم العالي ووزارة التخطيط ووزارة الصحة، بل من الضرورة أن تُناقش أيضاً على مستوى الدولة من خلال مجلس الشورى. على اعتبار أن الصحة من أهم المؤشرات الحقيقية لعافية الدول، ولن تتحقق إلا من خلال الوعي المجتمعي وأساليب الوقاية فضلاً عن توفير الخدمات الصحية العالية المستوى، ويأتي توفير الكادر الطبي في أولويات منظومة الاحتياجات الضرورية لأي دولة من دول العالم، فمن خلاله وبه يتم تلافي كثير من الأمراض بمشيئة الله.
واستناداً إلى الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن وزارة الصحة نلحظ أن نسبة الأطباء السعوديين في عام 1434هـ تصل إلى 23% فقط وفي جميع التخصصات وتتفاوت النسب بحسب التخصص لتصل إلى 4.6% كحد أدنى في مجال التخدير، ووصل عدد الأطباء السعوديين في العام نفسه إلى 7817 بينما غير السعوديين قارب عددهم 33999 طبيباً، تحظى المراكز الصحية بـ 1981 طبيباً سعودياً مقابل 6422 غير سعودي، وفي المقابل ارتفع عدد المستشفيات التابعة للوزارة إلى 251 مستشفى بسعة إجمالية بلغت 34450 سريراً، ومراكز الرعاية الصحية الأولية وصل عددها 2109 مراكز صحية.
وبحسب تصريح وكيل وزارة الصحة لشؤون المستشفيات قبل أيام قلائل، أوضح أن الوزارة أوشكت على الانتهاء من تنفيذ قرابة 62 مستشفى بواقع 8 آلاف سرير فضلاً عن تنفيذ خمس مدن طبية وهذا التنامي في عدد المستشفيات والأسرة يؤكد الحاجة إلى تشغيلها بالأطباء والفنيين المختصين.
وفي ظل انخفاض عدد الأطباء السعوديين وكذلك الفنيين من ممرضين وممرضات -بحسب ما تؤكده إحصائيات رسمية- ستتجه بوصلة البحث حتماً إلى خارج المملكة لتتمكن الوزارة من تشغيلها أو تظل تلك المستشفيات هياكل إسمنتية دون الاستفادة منها.
والتكلفة المادية لا تتوقف فقط عند استقدام الطبيب من الخارج، بل إن بعض الأطباء وفي تخصصات نادرة لديهم اشتراطات معينة في نوع المدارس التي ينتظم فيها أبناؤهم والمنازل التي يسكنونها ووسائل الترفيه التي تخفف عنهم وطأة الغربة، بمعنى أن هناك التزامات مادية إضافية وقد جاء ذلك واضحاً في سياق تصريح وكيل الوزارة لشؤون المستشفيات.
إذن نحن أمام قضية كبيرة تهم جميع شرائح المجتمع والسؤال ما الوقت المناسب لتشترك تلك الوزارات المعنية في بحث المشكلة من أساسها؟ وصولاً إلى إجراءات عملية تفضي إلى حلول عاجلة ومناسبة، سواء عن طريق زيادة ابتعاث الطلاب في هذا التخصص، أو زيادة أقسام وكليات الطب في الجامعات السعودية، لأن الفجوة قائمة، وتزداد مع التوسع في إنشاء المستشفيات والمدن الطبية، كما أن الوضع الراهن يفرض استمرارية التعاقد، ومع الأسف الشديد يتم التعاقد من أطباء وفي كافة التخصصات من دول إمكاناتها أقل من إمكاناتنا المادية والبشرية.
في ظني توفير الطبيب السعودي هو البديل الأنجع، والحل الأمثل لكثير من الاعتبارات.
أولاً: الأطباء السعوديون أثبتوا جدارتهم وبامتياز في هذه المهنة الإنسانية وليس أدل من رغبة كثيرين من المرضى التداوي عن طريقهم، وهذا الشعور تولد للثقة الكبيرة في كفاءاتهم، وهناك شواهد كثيرة لا تتسع المساحة لذكر أسمائهم، ويعدون في نظر المجتمع مفخرة لهم ومصدر اعتزاز ينبغي الإشادة بمهاراتهم. وتحفيزهم للاستمرار في هذا المستوى المأمول.
ثانياً: للتخفيف من حدة لجوء وزارة الصحة إلى الخارج من أجل التعاقد مع أطباء من خارج المملكة يمكثون سنوات بعدها يعودون من حيث أتوا.
ثالثاً: تجاوز مشكلة تورط الوزارة في التعاقد مع أشخاص ليسوا بأطباء فقط يحملون شهادات مزورة مما نجم عنهم كثير من المآسي التي تدمي لها القلوب، وقد كشفت الصحف مثل هذه الحالات. وتتم في كثير من الأحيان معالجة النتائج -بالتغريم أو التسفير- دون الاهتمام بالمسببات الحقيقية.
رابعاً: تحقيق السعودة من هذه المهنة المهمة أو على الأقل رفع النسبة بما يحقق الرضا، وهذا الأمل والطموح الذي تسعى الدولة له. وتبذل كثيراً من الأموال من أجله. ونتمنى أن تتحقق نتائجه.
خامساً: التخفيف من تسرب بعض الأطباء إلى مستشفيات خارج المملكة. وخروجهم يُعد خسارة فادحة لأننا أحوج بهم من غيرنا، خصوصاً وأن التنامي في زيادة عدد المستشفيات يأخذ صفة الاستمرارية بسبب التزايد السكاني.
وأخيراً تقليص مدة مواعيد انتظار المرضى إذ تمتد إلى عدة أشهر لحالات مرضية ينبغي رعايتها ومعالجتها في وقت قياسي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٩١) صفحة (١٨) بتاريخ (٢٩-١٢-٢٠١٢)