لسنا بصدد تقييم أداء مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في شهر مايو 1981، أي بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بثمانية أشهر، فقد جاء التأسيس وكأنه يبحث عن تحالفات لحماية منظومة المجلس من الاختراقات المحتملة التي قد تأتي بما لا تشتهي سفن هذه المنظومة. لكننا، وحيث الأمور في المنطقة أشبه بالقنابل الموقوتة والألغام المتناثرة في مياه الخليج الإقليمية والدولية، أمام القمة الثالثة والثلاثين التي عقدت في النصف الثاني من ديسمبر الماضي في العاصمة المنامة. وهي قمة بحاجة لقراءة متأنية بعيدة عن الانفعالات وتقييمات حملة المباخر ومروجي الأوهام.
ركزت قمة المنامة على الجانبين العسكري والأمني فقررت تشكيل قيادة عسكرية مشتركة وصادقت على الاتفاقية الأمنية المعدلة، فيما أحجمت عن الحديث عن القضايا الاقتصادية والمالية، فلم نسمع شيئاً عن العملة الخليجية الموحدة ولا الاتحاد الاقتصادي الذي من شأنه توحيد النظم ولجم حمى المنافسة بين الدول الست في المشروعات الاستراتيجية مثل صناعة الألمنيوم والبتروكيماويات والطيران والملاحة البحرية، حيث تجرى منافسات ضارة بكل الاقتصاديات الخليجية الصغيرة نسبياً قياساً للاقتصاديات العالمية التي بدأت تشكل تجمعاتها الكبرى في أوروبا وآسيا وحتى أمريكا الجنوبية، بسبب طبيعة العصر التي أوجدتها العولمة واتحادات الدول.
لم يشعر المواطن الخليجي أن شيئاً كبيراً قد حصل في القمة باستثناء الجوانب العسكرية والأمنية الموجهة في جزء كبير منها للخارج الإقليمي وللداخل الخليجي حيث قامت قوات درع الجزيرة ولأول مرة بعمل أثار الجدل الكبير حول طبيعة مهمتها في البحرين التي شهدت اضطرابات كبيرة في فبراير ومارس 2011. وهذا هو الذي حصل بالنسبة للإعلام العربي والعالمي، حيث نقل البيان الختامي للقمة على الهواء ومن ثم تحولت القمة إلى ذيل النشرات الإخبارية. وحتى الإعلام الخليجي طوى صفحة القمة بسرعة كبيرة وكأنه لا يريد مزيداً من الحديث حولها، وأقصى ما فعله هذا الإعلام هو إعادة استدعاء الأغاني والأناشيد الخليجية قبيل وأثناء القمة من طراز أغنية «خليجنا واحد».
لعل أهم قضية كان الإعلام العالمي ودول صناعة القرار الأممي هي موضوع سوريا الذي كان ملتهباً أثناء القمة ولايزال، فتأكد الجميع أن دول المجلس مستمرة في دعمها للمعارضة السورية المسلحة ومع تغيير النظام السوري بالقوة وأعلنت العواصم الخليجية، كل بطريقتها، طبيعة وآليات الدعم التي ستقدمها لهذه المعارضة التي بدورها تعاني من انقسامات وتشظيات واختراقات بعض التنظيمات المتشددة التي هي على خلاف وعدم توافق مع العواصم الخليجية.
بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، فقد كان من المهم أن تؤمن دول التعاون الدعم المالي للمعارضة السورية، حيث تعاني العواصم الكبرى من شح السيولة بسبب الأزمة المالية وهواجس «حافة الهاوية» الأمريكية التي تجاوزتها واشنطن بعد القمة بأيام حين أعلن الاتفاق بين إدارة أوباما والكونجرس الأمريكي، لتنتعش البورصات العالمية بهذا الخبر السعيد الذي جاء مع مطلع العام الميلادي الجديد مقدماً هدية ثمينة لاقتصاديات تواجه بعضها انكماشا في النمو وبعضها الآخر يواجه الإفلاس ويبحث عن منقذ.
العواصم الكبرى لا تكتفي بالدعم المالي الخليجي لدعم المعارضة السورية، بل تفكر ملياً في الفوائض المالية للموازنات الخليجية من جراء ارتفاع أسعار النفط. وهي فوائض مغرية لتحريك مفاصل مهمة في اقتصاديات الولايات المتحدة وأوروبا، ولن تهدأ هذه العواصم إلا إذا حققت جزءاً لا بأس به من أهدافها، خصوصاً وان ما يتجاوز التريليون دولار من الأموال الخليجية مستثمرة في هذه العواصم التي تريد مزيداً وقد تطرح في قادم الأيام طلبات من الصناديق السيادية أيضا، على غرار ما طلبت من الصين.
لكن دول مجلس التعاون الخليجي ليست في وضع مريح كما يتصور بعضهم الذي يعد أن لا أزمات تعاني منها هذه المجتمعات. فالبطالة وتدني الأجور والإسكان تشكل قنابل موقوتة في أغلب دول المجلس، وهي تحتاج إلى مشروعات «مارشالية» لكي تحل، أي إلى مئات المليارات من الدولارات. فأزمة الإسكان مثلا تحتاج إلى أكثر من مليون ونصف المليون وحدة سكنية لكي تتمكن دول التعاون من تجاوز تداعياتها. كما أن هذه البلدان التي تعتمد اقتصادياتها على العمالة الوافدة منخفضة الأجور، تواجه ضرورة توفير ما لايقل عن مليوني فرصة عمل لمواطنيها العاطلين عن العمل، أي فرص تليق وتتماشى مع مستوى المعيشة بالنسبة للمواطن الخليجي.
وهذه بدورها لن يمكن توفيرها إلا إذا تم إحداث نقلة نوعية في سياسة واستراتيجية العمالة التي تسير عليها دول المجلس منذ الطفرة النفطية الأولى مطلع سبعينات القرن الماضي.
كان من المهم أن تنظر القمة الخليجية إلى الداخل الخليجي، وتبعث برسائل طمأنة إلى شعوب المنطقة على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بما فيها حقوق الإنسان والديمقراطية وتشييد الدولة المدنية الحديثة.. لكن ذلك تم تأجيله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٩٧) صفحة (١٩) بتاريخ (٠٤-٠١-٢٠١٣)