لقيَ أحدُهم المتنبي فقال له: «رأيتك من بعيد فظننتك امرأةً» فقال المتنبي: «وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلاً»، ذاك زمن وهذا زمن، ذاك زمن فطنة، وهذا زمن سمنة، في هذا الزمن ترى «كروشاً» «باركة» وترى هياكل أجساد «متهالكة»، ترى «البذخ» في أماكن، وترى «الفقر» في أماكن أخرى، ترى «العدل» في جهة، وترى «الظلم» يضرب بأطنابه في جهة أخرى، ترى بريق القمر ينعكس على وجوهٍ «ناعمةٍ»، وترى وجوهاً من «خربشة» الشمس، مهترئة، قاتمة.
أناس يتداوون من السمنة، وأناس يبحثون عن لقمة، أناس يتباهون بناطحات سحاب، وأناس يتوارون بالتراب، ويسكنون في المقابر كالكلاب، أناس تحتهم الأنهار جارية، وأناس تحتهم لهيب الصحراء «الضارية».
أناس يحفظون الجميل، وأناس يميلون مع الريح حيث تميل، أناس كما قال البحتري: «ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً × لدى المجد حتى عُد ألف بواحد»، وأناس استطاعوا أن يرسّخوا أن «الزمن ثلاثة، والثلاثة زمن».
أناس كالماء، لا طعم، لا رائحة له، لا لون، وأناس ظنوا أنهم ينافسون الشمس في تلألئها، ويناهضون القمر في جماله، ويتباهون بنقضهم العهود بعد توكيدها، تلك بعض «الخطرات» في تحوّلات الأزمنة و»الأنسنة».
عوداً على «المتنبي»، يقول لي «حكيم»: «ما ترون»، في مقاربةٍ للصورة مع المتنبي، «إلاّ جبالاً ليست جبالاً، ورجالاً ليست رجالاً، فإن رأيتم شاتين ونيفاً وعشرين حَمَلاً وابن لبون، فلا…

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٠٣) صفحة (٦) بتاريخ (١٠-٠١-٢٠١٣)