دخول المرأة مجلس الشورى السعودي يشكّل حدثاً تاريخياً في المملكة. وتأتي تاريخيته من اعتبارات عديدة أهمها المجتمع السعودي نفسه، وهو ما يشير -بوضوح- إلى وجود فكر قيادي سعودي يحترم الخصوصية الوطنية.
وقد تجسّد هذا الفكر القياديّ في كثير من التجارب التأسيسية، وفيما يخصّ المرأة؛ تجسّد فكر القيادة حين شرعت الدولة في تعليم المرأة وسط موجة من الاعتراضات والتحفظات الصاخبة. وقد نجحت الدولة في تنفيذ مشروع «تعليم البنات» تحت إشراف شرعيٍّ. وبالتالي تأسست المدارس في المناطق ودخلتها بنات الوطن جيلاً بعد جيل، وبنين قاعدة عريضة من المتعلمات النابهات اللائي خرّجن أجيالاً متعاقبة من بنات الوطن الأخريات.
وكان نتاج هذا البناء البشريّ، للسعوديات، صناعة عالِمات ومتخصصات في علوم نظرية وتطبيقية متعددة، وخرجت منهنّ المتفوقات اللائي مثّل بعضهنّ الوطن في محافل دولية دون أي خلل بثوابت المجتمع المسلم المحافظ. وما وصول السعوديات إلى مجلس الشورى إلا نتاجٌ متجدد لمشروع بناء الإنسان في هذه البلاد، والمرأة إنسانٌ شملته يد البناء وحافظت عليه ودعمته بكل مقومات نموّه وقوّته.
وتقف وراء هذا كله مسؤوليةٌ وطنيةٌ عميقة، عرفت كيف تضع الأمور في نصابها دون أن تخلّ بالتزامها أمام ثوابتها الدينية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع السعودي.
قد يكون الفارق شاسعاً بين بداية تعليم البنات عام 1360 وبين دخول المرأة مجلس الشورى عام 1434، ولكنه فارقٌ لصالح تعميق أساس البناء، فاللائي دخلن الشورى يمثّلن نتاجاً معمّقاً لتعليم أجيال متعاقبة من بنات الوطن في مدارس الوطن وعلى أيدي بنات الوطن أيضاً، وتحت إشراف الوطن كله، برجاله ونسائه.
إن الداخلات إلى مجلس الشورى بنات الوطن يعرفن الوطن، وقادرات على المشاركة في بناء الوطن والإسهام بخبراتهنّ وقدراتهنّ التي اكتسبنها، ليكون الرأي الخارج من مجلس الشورى خلاصة تفكير وطنٍ لا يفرّق بين رجل وامرأة.
وهذا في ذاته يمثل استثماراً وطنياً ناجحاً ستعود فوائده على الأجيال المقبلة التي تمثّل -بدورها- نتاجاً طبيعياً لنموّ طبيعي هادئ لم يُحرِق مراحل ولم يقفز على خطوات، بل انتقل من مرحلة إلى أخرى بتخطيط واعٍ يُدرك ماذا أمامه من مستقبل ويتفهّم ما حوله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٠٦) صفحة (١٩) بتاريخ (١٣-٠١-٢٠١٣)