كتب الأخ عبدالله الفوزان في صحيفة الشرق بتاريخ 9 يناير 2013م نقداً لقصيدة سمو الأمير خالد الفيصل «هبوب» التي نشرتها صحيفة «الوطن». وكتب رئيس تحرير «الشرق» الأستاذ قينان الغامدي بتاريخ 10 يناير 2013 م مقالاً ناقداً لمقالة الفوزان مصححاً ما أسماه بالالتباس في فهم الفوزان للمعنى الباطني أو الكلي لقصيدة سمو الأمير خالد الفيصل حيث إنه أي الفوزان لم يأخذ القصيدة في السياق الثقافي والمعرفي والفني للأمير خالد وهذا ما أوجد حسب قول الأخ قينان تناقضاً في الفهم عند الفوزان بين الواقع الذي يشاهده وبين نص القصيدة.
وجهة نظري النقدية هو أنه لا تعارض بين ما حملته أبيات القصيدة في جزئها الأول من معانٍ ورؤى سياسية ودينية تتعلق بالربيع العربي وبين قراءة الأخ الفوزان لهذه النصوص والمعنى المرتبط بها.
لذا فإنني أرى أن قينان مخطئ والفوزان مصيب، وإليكم ما بنيت عليه هذا الرأي:
النص يحاكم بمفرداته الصريحة الواضحة أي الظاهر من النص ولا يحاكم بنوايا وثقافة وفن الشاعر خصوصاً إذا لم يكن هناك غموض أو إبهام في النص يستوجب البحث عن عوامل مساعدة لفهم النص المنفتح على معانٍ أخرى والقابل للتأويل.
قصيدة سمو الأمير خالد كانت كعادته في نصوصه الشعرية الأخرى واضحة صريحة لا تقبل التأويل.
تقول القصيدة:
هبت هبوب غربية
تجتاح الأرض العربية
تجني الأخضر واليابس لعيون الديمقراطية
النص واضح والمعنى واضح وسهل. الهبوب تعبر عن الربيع العربي الذي يقول النص إنه قادم إلينا من الغرب. وقد اقتلع الربيع العربي الأخضر واليابس من أجل تحقيق الديمقراطية القادمة من الغرب أيضاً.
غايتها دولة مدنية
علمانية لا دينية
إلا الدولة الصهيونية
لازم تبقى يهودية
أما الدولة الإسلامية
هذه دولة إرهابية
هنا يقول النص إن غاية الربيع العربي (الهبوب) هو إنشاء دولة علمانية لا دينية، فالدولة الإسلامية حسب معطيات هذا الربيع العربي هي دولة إرهابية. أما ما يتعلق بالصهيونية والدولة اليهودية فهو جزء من الصفة الغربية لهذه الهبوب. بحثت كثيراً عن التناقض الذي يقول عنه أخي قينان في فهم الفوزان لهذا المقطع من القصيدة حسب النص المنشور في صحيفة الوطن فلم أجده. القصيدة تعبر بشكل واضح وصريح عن رؤية خاصة بالربيع العربي يشاركه فيها آخرون مفادها أن هذا الربيع العربي غربي الأيديولوجية والهوى وأنه في سبيل الديمقراطية الغربية التي ينادي بها اقتلع الأخضر واليابس وأنه، أي الربيع العربي، يريد أن يقيم دولة مدنية علمانية لا دولة دينية.
إنني اختلف مع الأمير خالد الفيصل كما اختلف معه الأخ عبدالله الفوزان فيما ذهب إليه كما جاء في نص قصيدته التي تقول إن الربيع العربي غربي الجوهر والدافع وإنه جاء لتقويض الدولة الإسلامية وبناء دولة علمانية مدنية. أنا لا أتفق مع سمو الأمير في أن الدولة المدنية أو العلمانية ترفض الدين ولا تقبل به فها هي الحكومة التركية وغيرها دولة علمانية مدنية لكنها دولة تتبنى مبادئ وقيم الإسلام العليا، لكن هذا موضوع آخر. الربيع العربي يطالب بدولة مدنية دستورها قائم على مبادئ الشريعة الإسلامية. الربيع العربي حركات جماهيرية انفجرت الواحدة تلو الأخرى بسبب الظلم والاضطهاد والفساد وانعدام العدالة والحرية وكرامة الإنسان الذي كانت تعانيه هذه الشعوب من حكامها الذين لم يخشوا الله فيمن ولوا عليهم ولم يخشوا ثورة المظلومين والمقهورين عندما تنفجر.
الحرية والديمقراطية في مفهومهما ومؤسساتهما الحديثة، نعم، صناعة غربية وهبوب غربي، ولكن قبل أن تكون كذلك كانت الحرية والعدالة وحكم القانون والمحافظة على المال العام كلها مبادئ وقيم سطرت في القرآن الكريم والثابت الحق من قول الرسول الكريم. طبقت هذه المبادئ في صدر الإسلام الأول جداً ثم طويت ونسيت وحل محلها الظلم والظلام على مر العصور والأيام. ولم تنهض الأمة العربية والإسلامية من سباتها العميق ومن ظلام الجهل والتخلف رغم محاولات التنوير والتجديد والإصلاح التلفيقية التوفيقية في مكوناتها، الضعيفة من حيث قوتها ووهجها حتى جاء الربيع العربي مفاجئاً مجلجلاً ومعلناً لأول مرة في التاريخ العربي الإسلامي أن الدولة تقام وتسقط والحكم يُعطى ويُنزع بواسطة الشعب مصدر السلطات والتشريع من خلال استفتاء حر نزيه لا تزوير فيه أو غش مستلهماً دستوره وقوانينه من مبادئ الإسلام وقيمه السامية العليا.
فالربيع العربي صناعة عربية والحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية صناعة إنسانية قبل أن تكون غربية ولنا كعرب ومسلمين في عصرنا الذهبي مساهمة في المكونات الأساسية للحضارة الإنسانية قبل أن يصل الغرب إلى نهر العلم والنور الذي هجرناه إلى الصحراء والعقول المظلمة.
يتابع سمو الأمير قصيدته «هبوب» في مقطعها الثاني الذي هو وصف واستطراد للموقف الأيديولوجي السياسي الذي أسسه عن الربيع العربي والحالة العربية في المقطع الأول. أما الجزء الثالث والأخير من القصيدة فهو في نظري بيت القصيد ومربط الفرس كما تقول العرب. هذا الجزء من «هبوب» يحاكي حياتنا في المملكة العربية السعودية ويدعو إلى «هبوب سعودي».
يبدأ هذا المقطع من القصيدة المهم جداً لنا بهذا البيت:
يا علماء الأمة أفتوا
وأعطوا بدائل عصرية
ثم يتابع ويعلل نداءه لعلماء الأمة ويقول:
وين العقل وين الحكمة
وين الغيرة الإسلامية
ليه النظام الإسلامي
ما أوجدنا له آلية
ثم يتابع ويفصل ويشرح ويقول:
الدستور كتاب الخالق
والمنهج سنة نبوية
ثم يشرح أساس السلطة في الإسلام ويقول:
علمونا أن السلطة
أمن وعدل وإنسانية
وأن الشورى عين الحكمة
والشريعة ربانية
ثم ينهي القصيدة بتساؤل ينم عن إلحاح:
ليه وليه وليه وليه
كل كفر منا خويه
ويوجه نقده هنا لمن يكفرون الخلق باسم الدين ويقول:
خافوا الله في خلق الله
يا من بعث الفتنة حية
أعتقد أن هذه الأبيات من القصيدة تلامس بل تلتصق بعقل ومشاعر وآمال وأمنيات كثير ممن يحملون هموم الوطن ويعيشون على أمل نهضته السياسية والفكرية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية أكثر من عيشهم على أمل زيادة النفقات الحكومية البترولية.
دعوني أبين وأشرح ما قلته وما عنيته. يوجه الفيصل الخطاب إلى رجال الدين العلماء القادرين على الإفتاء ويقول لهم وبشكل واضح وصريح حسب قراءتي لنصه: أعطونا إفتاءً عصرياً يواجه العصر ويتعامل مع كل مستجداته السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعقل وحكمة. ثم يسألهم سؤالاً مباشراً لا يبحث عن إجابة لأنه سؤال يؤكد الحقيقة المفقودة والواقع المعيش والسؤال هو: لماذا لم نوجد آلية عصرية أساسها العقل والحكمة للنظام الإسلامي الذي دستوره القرآن ومنهجه السنة النبوية؟ ثم يعرج على مفهوم السلطة في الإسلام كما تعلمه ويقول إن السلطة يجب أن تقوم على تحقيق الأمن للمواطنين وتقيم العدل وتحترم القيم والمبادئ الإنسانية.
بهذه القيم والمبادئ التي وردت في الجزء الأخير من قصيدة سمو الأمير خالد الفيصل «هبوب» أقول إن على المجتمع السعودي أن يصنع ربيعه، وأضيف إن العلماء المعنيين في الإفتاء في الشؤون الدينية التي لا تتعلق بأمور العقيدة وإنما تتعلق بأحكام المعاملات يجب أن يكون من بينهم رجال ونساء من ذوي العلم والاختصاص في علوم العصر وفنونه وتقنياته لتكون آلية تطبيق النظام الإسلامي عصرية يتقبلها العقل وتوشحها الحكمة ويستطيع الجميع فهمها والتعامل معها دون إخلال بالثوابت الإسلامية ذات الأصول القرآنية والثابت من السنة النبوية. آلية ليست قائمة فقط على أقوال فقهية لعلماء أجلاء في عصور وقرون سابقة، لهم كل الاحترام والتقدير لكن لهم عصرهم ولنا عصرنا ولهم عقولهم ولنا عقولنا يجمعنا قرآن واحد ويفرق بيننا اختلاف في الرأي والتفسير، اختلاف فيه رحمة للمسلمين ولا يُكره أو يُجبر أحد على أخذ هذا الرأي أو ترك ذاك ما دام أنه من المختلف فيه إن كان قديماً أو حديثاً.
إن الآلية التي تقود اليوم النظام الإسلامي في السعودية إن هي إلا آلية مبنية على آراء وأحكام فقهاء كبار، أهل علم وصلاح، لكن الطاعة هي لكتاب الله والثابت المحقق من كلام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أما فقه الفقهاء وحديث المحدثين وتفسير المفسرين فإنه قول أو تراث نأخذ منه ونرد عليه حسب قراءتنا وفهمنا لكتاب الله وسنة رسوله وهذا هو الإعمال الحقيقي لقوله تعالى في آيات كثيرة «أفلا تعقلون».
هذا في نظري هو الربيع السعودي الذي لابد أن يحرك هبوبه ورياحه من بيده الحكم والأمر والنهي ومن هو مسؤول عن إقامة الأعمدة الثلاثة للسلطة التي قال عنها الفيصل في أبياته السابقة: الأمن والعدل والإنسانية.
ختاما أقول إنني أقرأ وأرى في الهبوب الفيصلية دعوة للإصلاح والتجديد إن توالت وتعالت ستقود إلى رياح التغيير السعودية التي سوف تحمي البلاد من ضرورة وحتمية العواصف الهوجاء التي تطيح بالأخضر واليابس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٠٧) صفحة (١٩) بتاريخ (١٤-٠١-٢٠١٣)