يصر متظاهرو العراق مع بداية أسبوعهم الثالث على الاستمرار في التظاهرات ضد المالكي وحكومته وسياساته التي اعتبروها استئصالية بحق جزء من أبناء العراق، وعلى الرغم من أن بعض المطالب التي رفعوها لا تعتبر سياسية فإنها بالعمق والجذر تقع في صميم السياسة، خاصة أنهم يعتبرون أن المالكي رَهَنَ العراق لحكام طهران، وأنه ينفذ أجنداتهم، وكذلك في سياسته التمييزية ضد طائفة بعينها، ويرى كثير من المراقبين أن المالكي ينفذ سياسة إقصائية واستئصالية أكثر مما مارس النظام السابق، بل وأخطر؛ لأنه يعتبر نفسه قائداً أعلى للعراق وأتى إلى السلطة بصناديق الاقتراع.
والمالكي الذي حذر المتظاهرين وأهالي الأنبار من أعمال إرهابية، يتهمه اليوم المتظاهرون بأنه هو وجيشه وراء الإرهاب خاصة مع محاولة اغتيال وزير المالية الذي انطلقت المظاهرات إثر استهداف حمايته.
وتزداد خطورة الوضع في العراق مع استمرار التظاهرات وبدء مسلسل التفجيرات الانتحارية، وكذلك مع لجوء المالكي وبعض القوى المؤيدة له لتسيير مظاهرات مضادة، تصدت لشعارات متظاهري الأنبار، وهذا ما قد يدفع بالبلاد نحو مواجهات خطيرة، وفي الوقت الذي أتت الحكومات العراقية بعد سقوط النظام السابق، لتؤسس لمرحلة المواطنة والدولة للجميع، لكن بعد ما يقارب العشر سنوات يجد أبناء العراق أنفسهم مقسمين على أساس طائفي ولا دولة للجميع ولا مواطنة.
في وقت لم يستطع الساسة العراقيون وزعماء القوى السياسية إيجاد برامج سياسية واجتماعية واقتصادية لكسب المؤيدين والأنصار وإنما لجأ معظمهم إلى التعبئة الطائفية، في وقت يرزح المواطن العراقي تحت الفقر والبطالة والتهميش، في دولة من أغنى دول العالم، ولا يتورع المالكي عن اتهام خصومه السياسيين بالطائفية أو الارتباط بالأجندات الخارجية، أو إلصاق تهم الإرهاب بهم، فحتى المتظاهرون الذين عبروا عن مطالبهم بوضوح، كانت رسائله لهم مبطنة بهذه التهم، لإدراك المالكي أن لا شيء لديه سوى التعبئة الطائفية واتهام الآخرين بالإرهاب.
ومع اتساع رقعة المظاهرات وإصرار المتظاهرين على الاستمرار حتى تحقيق مطالبهم، وخاصة إلغاء الإقصاء والاستئصال، يبقى العراق في خطر رغم استجابة الحكومة لبعض المطالب وخاصة الإفراج عن المعتقلين، ويتساءل المتظاهرون إذا كان الإفراج عن مئات المعتقلين يمكن أن يتم بهذه السهولة؛ فلماذا لم يطلقهم المالكي دون تظاهرات؟ وهم كان يمكن أن يقبعوا في السجون لسنوات طويلة لولا خروج تظاهرات تطالب بالإفراج عنهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١٠) صفحة (١٩) بتاريخ (١٧-٠١-٢٠١٣)