تشهد المملكة وما زالت تحولاً كبيراً ونوعياً في مجالات فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية شتى، ورافق ذلك بروز شبكات التواصل الاجتماعي بشكل لافت في السنوات الأخيرة، مما جعل هذه التحولات تخضع لمستويات عالية من النقد والانتقاد، بل ردود الأفعال الرسمية والشعبية تشكلت عبر طبيعة الجدل الدائر ونوعيته على هذه المواقع والتي غالباً ما كانت تتركز حول القضايا ذات الأولوية من حيث مساسها بحياة المواطن أو ذات السمة الفكرية والحقوقية.
ولقد كان للحضور الكبير للمثقفين والمفكرين وبعض العلماء والمسؤولين الرسميين والنخب بشكل عام في ساحات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً «تويتر»، الأثر الكبير في انتشار هذه الساحة وتوسعها، حيث أدى ذلك إلى وجود أرضية نقاش ساخنة بين المغردين في «تويتر»، وشمل في الغالب كل القضايا الحساسة جداً، والتي لا يسمح سقف الإعلام التقليدي والرسمي بتداولها، وفي تويتر تشكل نوع جديد من المثقفين والناشطين، وخصوصاً من فئة الشباب الذين لم تتح لهم الفرصة في الظهور والبروز في الإعلام التقليدي بسبب سيطرة الجيل القديم عليه.
والمتابع لوسائط التواصل الاجتماعي يلحظ في أغلب الفترات أن هناك تصاعداً لمستوى التشنج والحدة أحياناً التي يستخدمها بعضهم أثناء نقاشاتهم وأطروحاتهم أو أثناء مناقشة بعض الأفكار دون مراعاة لأدبيات الحوار المنتج واحترام الآخر أو تقديره؛ مما جعل كثيراً من المحافظين والمسؤولين يبتعدون عن استخدام هذه الوسيلة، ولم يستفيدوا منها خشية خروج الحوار والجدل على قواعد النقاش المسؤول وأصوله.
والسؤال هو: لماذا أصبحت الحدة المفرطة هي السمة التي تلازمنا عند التعبير عن المواقف والأفكار؟ ألا يفترض بنا استخدام قيمنا الإسلامية أثناء ردودنا، حيث هي منهجنا الديني الذي تربينا عليه في جميع تعاملاتنا الشخصية والعامة؟
وفي تقديري أن وسائط التواصل مثلت نقلة نوعية في المنهجية السائدة للتعبير في مجتمعنا سابقاً، وخاصة من ذات الصفة الفردية إلى سمة التعبير الجماعية، وهذا تحول في الذهنية والشخصية المحلية لذلك من الطبيعي أن يتزامن معه صعود بعض ممارسات الاحتقان والحدة، حيث نحتاج إلى وقت كافٍ لتجاوزه وصولاً إلى وتيرة عقلانية ومتزنة تحكم طبيعة النقاشات وردود الأفعال في هذه الوسائط.
والأمر يقودنا إلى القول: إن البعض من مرتادي «تويتر» يمارسون سلوكاً انتقادياً وليس نقدياً، بحيث نرى بعضهم ينتقدون لمجرد النقد فقط، إما بسبب عدم ميلهم إلى أصحاب الفكرة وإما أن هناك من هو مؤثر عليهم في تفكيرهم، وهذا الأسلوب أصبح مألوفاً أثناء التغريدات في «تويتر».
وهذا الأمر يقودنا إلى تذكر القاعدة الفكرية والتي تقول: «إن النقد لمجرد النقد مرفوض، ومن ينتقد شيئاً فعليه طرح البديل»؛ بمعنى أن يكون نقداً إيجابياً وذا حلول بديلة؛ إما لتصحيح مسألة وإما لتباين خلل وإما لزلل؛ بحيث لا يكون النقد مجرد جلد للذات دون دراية أو تبصر في الأمور، إن موجة الانتقاد لا النقد قد تقودنا إلى تفشي هذه السلبية السيئة وهو النقد لمجرد النقد فقط، حتى أن هناك أتباعاً ينساقون للنقد دون أن يدركوا أو يستوعبوا الموضوع ذاته، وهذه مشكلة كبيرة وخطيرة أن يُنتقد موضوع وصاحب النقد على غير دراية بالموضوع بتاتاً.
وهنا تكمن مشكلة هذه المواقع؛ إذ يتم التركيز على المشكلة ويترك الحل، كذلك تجد إغفالاً للجوانب الإيجابية؛ مما يزيد إحباط المتحمس ويقلل من اجتهاده، وهنا تأتي المقارنة مع وسائل إعلامية تقليدية أخرى؛ إذ يديرها محترفون محايدون، فتقل الشائعة التي كثرت وتنوعت في الأونة الأخيرة عبر تلك المواقع، ويُعطى الجميع فرصة إبداء الرأي وتتضح الأفكار والآراء، فالنقد حينها يكون بنّاءً؛ لأنه يكون واقعياً، بسبب إتاحة الفرصة لأي جهة لإبداء رأيها وتوضيحه، عكس ما نراه الآن في الشبكات الاجتماعية فحتى وإن اتضحت الأمور لاحقاً بأن ردودهم السابقة كانت خاطئة وغير صحيحة فنجد أن المغردين مثلاً يتجاهلون هذا التصحيح ولا ينشرونه مثلما نشروا الشائعة أو المعلومة الخاطئة، وهذه من المآخذ على هذه المواقع والتي قد تؤثر في مصداقيتهم وحياديتهم.
نحن نتمنى ممن يطرح نقداً أن يكون صاحب رؤية حقيقية فيما ينقده، وينقد بأسلوب حواري جميل، ويطرح آراء وأفكاراً وحلولاً للقضية ذاتها، هذا هو النقد الذي نتمناه.
وختاماً أقول: إن أي محاولة لتأطير أو وضع سقف أو ضابط لهذا الأمر سوف يُعد مساسا بحق التعبير وحرية الرأي وهذا مالا يتمناه الجميع ولذلك نتطلع إلى ممارسات أكثر مسؤولية وانضباطاً من رواد هذه المواقع لأننا نلاحظ بكل أسف مؤخراً أن الأغلبية أصبحوا يتخذون من سمة النقد السلبي مجالاً لهم في تصرفاتهم وردودهم، فلابد أن يتغير سلوكهم إلى الأفضل وأن يكون نقدنا نقداً موضوعياً خالياً من التجريح والتشويه والدخول في النيات، لأن الأسلوب الأمثل هو الذي سيقودنا إلى نشر ثقافة التسامح والمحبة والألفة بين فئات المجتمع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١١) صفحة (١٨) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٣)