كأنما كُتب على الشعب الفلسطيني أن يخرج من نكبة ليحشر في أخرى، وكأن النكبة الكبرى باحتلال فلسطين من قبل قطعان المستوطنين لا تكفي شعباً قدم ما لم يقدمه أي شعب من التضحيات. وفلسطين هي الأرض المحتلة الوحيدة على وجه الخليقة وتكاد تكون الوحيدة التي تم إحياء نظام الأبارتهيد العنصري بعد أن أنهاه الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا قبل أكثر من عشرين عاماً. وما يحصل للفلسطينيين في بلدان الشتات يندى له الجبين ويسقط ما تبقى من ماء الوجه لدى الأنظمة التي تستضيف اللاجئين على أرضها.
وآخر نكبات الفلسطينيين في الشتات ما يحدث لهم في سوريا التي تعيش احتراباً داخلياً وهو مدعوم إقليمياً ودولياً، حيث يتم حرث الأراضي السورية من مدن وأرياف حرثاً تدميرياً لم يحدث في البلدان التي مر عليها الربيع العربي. ربما لأن موقع سوريا الجيوسياسي حفز من التدخلات المتعددة.
يعيش في سوريا أكثر من 400 ألف لاجئ فلسطيني أغلبهم يقطنون المخيمات المنتشرة في مختلف المحافظات، وأشهرها مخيم اليرموك، الذي تكمن أهميته أنه يقع على مشارف العاصمة ويربط بعض زوايا العاصمة بالريف الدمشقي، ولذلك فإن قاطنيه يواجهون ضغوطات كبرى من أجل تجييرهم لصالح هذا الطرف أو ذاك. لكن ما هو واضح الموقف الذي تتخذه الفصائل الفلسطينية الرئيسية والمتمثل في تحييد اللاجئين الفلسطينيين في الاحتراب الذي يجري، إلا أن بعض أطراف الصراع لا تريد ذلك وتسعى لجرجرة الفلسطينيين ليكونوا طرفاً في هذا الاحتراب الدموي.
احتراب زاد فيه عدد القتلى على ستين ألفاً من المواطنين السوريين والمقيمين على أراضيها، حيث يتجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا حتى الآن أكثر من ألف فلسطيني لا ناقة لهم ولا جمل في حرب تذكرهم بنكباتهم على أيدي الأنظمة العربية، فضلا عما تقوم به قوات الاحتلال الصهيوني من مجازر.
واجه الفلسطينيون في الأردن مجازر أيلول في العام 1970، وأجبرت قوات الثورة بعدها على مغادرة الأغوار والمناطق الأردنية إلى لبنان، الذي سرعان ما دخل في أتون حرب أهلية العام 1975 تمددت حتى جاء الغزو الصهيوني للبنان في يونيو من العام 1982 وتم خلاله احتلال بيروت وفرض على قوات الثورة الفلسطينية مغادرة الأراضي اللبنانية فتم ترحيل المقاتلين إلى عواصم الشتات العربية البعيدة مثل الجزائر وتونس واليمن، وبعضهم إلى سوريا والشمال اللبناني الذي كان يتحضر لاقتتال داخلي بسبب الانشقاق الكبير الذي حصل لأكبر الفصائل الفلسطينية، حركة فتح، على إثر الثغرات الكبرى التي عانت منها قوات الثورة الفلسطينية إبان الاجتياح والخيانات التي حصلت من قبل بعض القادة الميدانيين وخصوصاً في الجنوب الذي كان يشكل «بوز المدفع» وخط الدفاع الأول عن لبنان، بيد أن احتلال قلعة شقيف الشهيرة، خلال أيام قليلة من الاجتياح، وأريحية تمدد قوات الجيش الصهيوني في الجنوب وصولاً إلى مشارف بيروت عند مثلث «خلدة»، أحدث وقعه النفسي على المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين والعرب، وهو الأمر الذي قاد لموافقة المرحوم ياسر عرفات على الخروج من بيروت هو وقوات الثورة بعد نحو شهرين ونصف الشهر من بدء اجتياح أول عاصمة عربية لتبدأ مرحلة جديدة من التيه الفلسطيني، جسدتها مجازر صبرا وشاتيلا في 18 و19 سبتمبر 1982، أي بعيد الخروج من بيروت بثلاثة أسابيع فقط، الأمر الذي عمق الأزمة الداخلية الفلسطينية لم يسد ثغراتها إعلان الدولة في العام 1988 في الجزائر العاصمة، بل زاد من تعقيداتها ووضع القضية المركزية في سوق السمسرة العربية.
شكل مؤتمر مدريد عام 1991 بعيد اندحار الجيش العراقي من الكويت، مفصلا في تاريخ الثورة الفلسطينية وعنواناً جديداً لمعضلة القضية الفلسطينية، خصوصاً عندما فرضت الشروط الصهيونية المدعومة أمريكياً على أن تكون المفاوضات ثنائية وحسب، لتوقع اتفاقية أوسلو عام 1993 بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتعقبها اتفاقية وادي عربة مستحضرة اتفاقية كامب ديفيد نهاية سبعينات القرن الماضي بين مصر والدولة العبرية.
نكبات الفلسطينيين في الشتات وصلت إلى ليبيا عندما قرر العقيد القذافي طرد الفلسطينيين في خطوة جنونية أخرى «لكي يساهموا في تحرير فلسطين»، ومروا على العراق الذي لم يحتمل وجود بضعة آلاف من الفلسطينيين على أراضيه ليرسلهم صوب الحدود الأردنية.
إن الأشد وطأة على الفلسطينيين في سوريا هو حشرهم بين الرحى لتمارس عليهم تصفيات جديدة من خلال طردهم من المخيمات «مخيم اليرموك مثالا»، وقنصهم وخطفهم وقصفهم من أجل جرهم إلى محرقة الحرب، إلا أن الموقف العام لمختلف الفصائل لا يزال صامداً في تحييد الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة. فليس من مصلحة الشعب الفلسطيني أن تجرى عملية إخضاعه ليكون مع هذا الطرف ضد ذاك. لكن المؤكد أنه يدفع ثمناً باهظاً لا يختلف عن النكبات التي تعرض لها في العواصم العربية الأخرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١١) صفحة (١٩) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٣)