تتجه الأنظار إلى الرياض بعد غد الإثنين لمتابعة الحدث التنموي العربي الأكبر، الذي تترقبه الأوساط المعنية بالتعاون البيني العربي باهتمام بالغ، وهو القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية الثالثة، التي تلتئم في مرحلة دقيقة من التفكك تشهدها الساحة العربية.
ولعل انعقاد القمة في هذا الوقت يعكس عدداً من المؤشرات لا تخفى على المتابع للمشهد العربي ككل، ولما تشهده العلاقات العربية الثنائية من تطورات على نحو خاص. فالرياض تبقى العاصمة العربية المؤهلة لقيادة العمل المشترك بعد التداعيات المتواصلة والسريعة التي أشغلت العقل العربي بهموم ضاعفت منها المشكلات التقليدية التي تعيشها الشعوب العربية. وتحتفظ الرياض بعلاقة متوازنة تجعلها تقف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، وفق سياسة متزنة تحكمها الثوابت السعودية.
ويضاعف من أهمية انعقاد القمة في الرياض، حجم التطلعات التي تحملها المناسبة. فالقمة التنموية أصبح لديها اليوم همّان: يتمثل الأول في إرث مثقل بالمتاعب جمع بين البطالة، والفقر، والجوع، وما رافقه من أزمات على صعيد الأمن المائي والغذائي، والتراجع الملحوظ في كثير من معايير الرفاه التي تفتقد لها شعوب عربية عديدة. أما الهمّ الثاني الذي يثقل القمة، فيتمثل فيما يحمله المستقبل العربي من تحديات، ليس فقط على صعيد الاستقرار السياسي، والرفاه الاقتصادي، بل والأهم من ذلك، على الصعيد الاجتماعي، في ظل تتابع تداعيات الربيع العربي، التي أجلت كثيراً من المشاريع التنموية الملحّة إلى أجل غير مسمى.
ويستطيع أي متابع حصيف للنسختين السابقتين من القمة التنموية، أن يدرك حقيقة مهمة، وهي أن القمة في نسختها الثالثة يمكن أن تعد القمة الأولى عملياً. فقد حرمت الأزمة الاقتصادية العالمية أولاً، ثم ثورات الربيع العربي ثانياً، القمتين السابقتين من فرص النجاح التي كانت قريبة من التحقق في ظل عالم ما قبل ذلك الربيع العربي. أما وقد حدث ما حدث، فليس من السهل البحث عن إنجاز تحقق سابقاً في ظل الزحام والضجيج الحاصل. وتأسيساً على ذلك، تكتسب القمة الراهنة أهميتها كمراجعة حقيقية للقرارات السابقة، ونقطة فاصلة لإعادة طرح بعض الاستراتيجيات، وبخاصة الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية، وتعزيز ثقة رأس المال العربي في وجاهة الضمانات والمزايا.
إن قمة الرياض الثالثة قد تشكل لحظة فارقة على صعيد العمل العربي المشترك، وهو أمر مرهون بمخرجاتها التي قد تكون أكثر إيجابية، وتحمل في طياتها الخير لشعوب تنتظره وتستحقه، لتكون بمنزلة التحدي الحقيقي لتداعيات الربيع العربي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١٢) صفحة (٢٥) بتاريخ (١٩-٠١-٢٠١٣)