تزهو الرياض اليوم بالقادة العرب الذين توافدوا عليها لحضور القمة العربية التنموية الثالثة، التي تنعقد في ظروف دقيقة، يتوقع أن يكون لها حضور قوي فيما يقررون، على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وكأي قمة عربية سبقت، يتراكم على طاولة القادة عدد من الملفات التي اكتسبت صفة «الملحَّة» من واقع ما تشكله من ضغوط. لكن درجة «نفاذية» المشهد العربي السياسي لا تبدو أنها ستحصر ملفات القمة في الإطارين الاقتصادي والاجتماعي فقط، بل ستفرض وجوداً للأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها المنطقة.
وفي الوقت الذي بلورت فيه مصادر مطلعة خلاصة مخرجات القمة المتوقعة في أربعة قرارات رئيسة، على صعيد الطاقة المتجددة، والاتفاقية المعدلة لاستثمار رؤوس الأموال العربية، والخطة التنموية للألفية الجديدة، والأمراض المزمنة، يبدو جليّاً أن المسألة لن تمضي في الغالب على هذا النحو الحاسم للفصل بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وبين الواقع السياسي. ويدعم هذا الرأي عدد من الشواهد أهمها: التنافر الحاصل في العلاقات الثنائية، والمخاوف الناتجة عن الأوضاع الأمنية المتأزمة، والانهيارات الاقتصادية التي تعيشها بلدان الربيع العربي وسائر البلدان المرشحة للانضمام لهذا الربيع.
فثمة توتر يرقى إلى حد التنافر في العلاقات البينية العربية، عززته التداعيات التي تكلل المنطقة منذ عامين، مع اندلاع أول شرارة للثورات في تونس. وهذا التنافر لم يشمل فقط الدول المتجاورة، بل امتد إلى مختلف دول المنطقة. على صعيد آخر، اجتذبت الثورات العربية الاهتمام الرسمي والشعبي خارج نطاق التنمية، وتزامن ذلك مع موجة من العنف انتهت في بعض الحالات إلى تدمير شامل للبنى التحتية. ورافقت هذه الأجواء حالة من الانفلات الأمني، مازالت تمضي في سجال غير محسوم، وهو ما مثّل بشكل تلقائي، ومنطقي، «رأس حربة» موجهة إلى عنق الاستثمارات العربية على وجه الخصوص، نظراً لارتباطها بمواقف سياسية من توجهات ثورات الربيع العربي. وفي أتون السياسة الملتهب بالتطورات غير المتوقعة، لاحت انهيارات لا تخطئها عين لاقتصاديات عربية عديدة كان لها سابقاً حضور عربي لافت.
في تلك الأجواء، تلتئم القمة الاقتصادية الاجتماعية الثالثة في الرياض، وتبدو أكثر إصراراً على مراجعة قرارات القمتين السابقتين، في توجه اتسم بالمنطق والحاجة الشديدة لإعادة البناء. ولعلنا هنا نؤيد، ليس فقط وضع آليات عملية لتطبيق القرارات والتوصيات، وإنما أيضاً يتطلب الأمر آليات غير مسبوقة للمتابعة، بحيث لا تصبح القمم المتلاحقة مجرد منتديات لطرح مشاريع طموحة، أو لمناقشة واقع مؤلم قائم ومعروف، وإنما يجب أن تتحول إلى ورشة عمل حقيقية تضمن ترجمة القرارات إلى واقع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١٤) صفحة (١٩) بتاريخ (٢١-٠١-٢٠١٣)