المرحوم أحمد علي الإمام الذي توفي الشهر الأسبق كان يزور قبراً في مقابر الصحافة في يوم راتب منذ عام 1993م ولافتة صغيرة على القبر تقول «هذا قبر المرحوم الشهيد الزبير محمد صالح». والزبير محمد صالح نائب الرئيس البشير، وبلهجته المحببة كان يجلس إلى الرئيس مبارك يومئذ ليسأله عن سر الحصار الملحاح الذي يقوده مبارك ضد السودان. الزبير يقول: «السيد الرئيس.. هسع قولوا لينا عديل كدي إنتو بدوروا مننا شنو؟»، لكن نسيج «الشرق الأوسط الجديد» الذي تصنعه أمريكا كان يجعل مبارك يحتكر بيع السودان إلى أمريكا وهو يشير بأصابعه إلى شاشات العالم التي تنقل استقبالاً هائلاً يجده رفسنجاني في الخرطوم يومئذ. لكن من يكسر عنق الاحتفال هذا ويكسر عنق البهجة الإيرانية كان هو الإعلام الإيراني.. ففي اليوم التالي كانت الصحافة الإيرانية تحمل لقطة للحشود السودانية، ومانشيتاً ضخماً يقول «الخرطوم تبايع الخميني».
والخرطوم بعدها وفي توازن رائع، كانت تحتفظ بصورة المغني الإيراني على شاشة التلفزيون… لكن دون صوت.
براعة العقول التي تقود الإنقاذ كانت تجد حلاً لكل شيء، لكن العقول هذه تجد نفسها تواجه الترابي هذه المرة. كل أحد كان يحبس أنفاسه ينتظر شيئاً لا يدري ما هو، والزبير يسمع الترابي بحديث عن «التوالي» الكلمة التي تعني تداول السلطة وعودة الأحزاب، والزبير بلهجته المميزة يقول: «تواليكم دا.. الله لا حضرنا ليهو».
والزبير محمد صالح الذي يهرب من الخلاف هذا، لا يخطر له أن الصاعق الذي يفجر قنبلة الخلاف كان هو الزبير محمد صالح نفسه. فالرجل يموت في حادث.. ولما كان مليون مشيع يعودون من جنازة الزبير كان عشرة يلتقون في منزل الترابي بدعوة منه.. ثم في منزل عثمان خالد مضوي.. والأوراق أمامهم تنتظر أسماء ثلاثة أشخاص مرشحين لوظيفة نائب الرئيس، وأسماء يجري اختيارها، واقتراح بأن يقوم السيد موسى حسين ضرار بحمل الأسماء هذه إلى السيد الرئيس ولكن الأسماء يحملها إلى هناك الشيخ الترابي. والقصة تزعم أن الترابي يحدِّث الرئيس عن أن «الإخوان» يقترحون أسماء ثلاثة يختار الرئيس من بينها نائبه، وأن الأسماء هي: حسن الترابي وعلي الحاج ثم علي عثمان محمد طه، بالترتيب هذا.
ودكتور التيجاني عبدالقادر يقص أن البشير يجيب بقوله: والله يا شيخ حسن أنت شيخي وشيخ الحركة الإسلامية.. وأنا لا أقبل بحال أن أكون رئيساً عليك.. لكنني أرى أن تكون أنت نائباً، ثم أتقدم أنا باستقالتي، لتصبح أنت رئيساً للجمهورية.
الترابي يشعر بأن أمره لا يستقيم ويدبر شيئاً. والبداية هذه تصبح شيئاً ينتهي بما جرى في قاعة الصداقة منتصف نوفمبر الماضي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١٤) صفحة (٢٤) بتاريخ (٢١-٠١-٢٠١٣)