تابع الجميع ردود الفعل التي حصلت بعد الإعلان عن تعيين ثلاثين سيدة في مجلس الشورى ليصبحن أول عضوات المجلس في تاريخ المملكة في مجلس الشورى. حيث كانت ردود الفعل متباينة ما بين مؤيد لهذا التعيين ومتحفظ على فكرة المشاركة.

وبغض النظر عمّن يؤيد أو من يتحفظ، فإن حجم ردود الأفعال والتعليقات التي تفاعلت مع القرار خصوصاً في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) ووسائل الإعلام بشكل عام، جاءت لتؤكد بشكل قاطع أن ملف المرأة في المملكة يأتي على رأس قائمة أهم الملفات الوطنية من حيث الأهمية أو الزخم الذي يحظى به هذا الملف.

ولعلنا هنا نسأل ونقول: هل جاء قرار تعيين العضوات الجديدات، وخصوصاً بهذا العدد، منسجماً من حيث التوقيت مع المسار التصاعدي لمطالبات وقضايا المرأة في المجتمع؟

وللإجابة عن هذا السؤال لابد من استحضار عدد من الجوانب والمعطيات التي أحاطت بالدور والمشاركة النسوية على مختلف الأصعدة والمستويات، وكذلك العامل الزمني الذي أثبت أنه أهم عامل يتحكم في كثير من القضايا في بلادنا، حيث تشهد تحولات في المواقف والقناعات، ويفكك الزمن كثيراً من العقبات والصعوبات ويسُوغها فتقبل لاحقاً، ومن هنا ندرك جميعنا أن واقع ملف المرأة تتصدره قضايا ومطالبات محددة، مثل: حقوق العمل، والأحوال الشخصية، والحقوقية، وقيادة المرأة للسيارة وغيرها، ولذلك جاء القرار بمنزلة قفزة تاريخية وسابقة لطبيعة مطالبات المرأة في المرحلة الحالية، وإذا كُنا نقول:
إن المعادلة الشعبية والرسمية التي توازن وتتحكم في ملف المرأة قد حصل عليها تغير جوهري، فإن طرفاً جديداً قد ظهر سوف يعطي زخماً أكبر لهذا الملف، وسنلاحظ جميعاً تغيرات فعلية وكبيرة في هذا السياق.

ومن الناحية الإجرائية والتنفيذية يمكن القول:
إن دخول المرأة الآن إلى مجلس الشورى سيفرض على المجلس تغيرات كثيرة في نظامه من الداخل، وتعديل بعض آلياته، فمثلاً:
هل سيحافظ المجلس على شكله التنظيمي السابق من حيث تشكل اللجان وتوزيع الأعضاء عليها، أم سيضطر المجلس إلى إعادة النظر في شكله التنظيمي الداخلي، إما بإضافة لجان أو بتغييرها أو بإعادة تشكيلها مرة أخرى؟ ومن ذلك استحداث لجنة تختص بالمرأة والأسرة يمكن أن ترأسها إحدى العضوات؛ حيث إن هذا الأمر في غاية الأهمية لأنه سيقودنا إلى قضية ربما ستثير جدلاً ألا وهي:
هل سترأس المرأة اللجان، التي بطبيعتها تُحتم على رئيس اللجنة مسؤوليات كبرى في متابعة كل القضايا والمشاريع التي تختص بها اللجنة؛ وذلك من اجتماعات وزيارات ودراسات وكتابة تقارير ونحوها، وأنها سوف تشارك بالتمثيل في الزيارات الرسمية داخل المملكة وخارجها؟

والمتابع للمشهد الفكري السعودي لا يستطيع أن ينكر أن الأطياف الثقافية غارقة في إشكاليات وجدليات فيما بينها، وهنا يمكن لنا أن نتساءل عن كيفية التصويت على القضايا المطروحة؛ ربما سَيُحدث جدلاً تيارياً سيمارس ضغطاً على المجلس؛ حيث ستظهر اصطفافات أثناء طرح القضايا ومناقشتها والتصويت عليها؛ وذلك على حساب وأهمية القضية المطروحة للنقاش، فيصبح الحكم عليها من واقع تياري وليس من واقع مصلحة القضية نفسها، وأعترف هنا أن هذا التساؤل يمثل فكرة متشائمة، لكن الواقع يقول:
إن مثل هذا الأمر قد يحدث عندما تصبح الرؤية الفكرية مقدمة على الرؤية الوطنية مع الأسف.

وختاماً:
ألا يتفق معي القارئ الكريم أن هنالك مسؤوليات مضاعفة على العضوات الجديدات تتمثل في تأسيسهن منهجاً جديداً وناجحاً لهذه التجربة الجديدة؛ لأنهن هن اللاتي سوف يضعن الخطوة الأولى في هذا المشوار ومن ثَمَّ تُعول نساء المجتمع عليهن شيئاً كثيراً في نجاحهن في هذه التجربة الجديدة، ليكون الطريق لهن بعد ذلك سهلاً وميسراً عند تعيينهن في المستقبل؟
كما نتمنى النجاح للمرأة السعودية في مجلس الشورى، وأن تكون هذه التجربة قيمة مضافة إلى العمل الوطني، ومسار التنمية الإنسانية في بلادنا، وأن تكون مشاركتها فاعلة في مناقشة القضايا الوطنية المهمة، وتعكس هذه التجربة الحضارية مدى قدرة المرأة السعودية على المشاركة داخلياً وخارجياً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١٨) صفحة (١٨) بتاريخ (٢٥-٠١-٢٠١٣)