مثل كل ثورة، وكل معركة، وكل مواجهة، سقط في الثورة السورية كثيرٌ من الجرحى، ومثل كل ثورة أيضاً، نسيتهم الأكثرية المنشغلة بمتابعة المعارك الدائرة وتمجيد أبطالها، أما هؤلاء الأبطال السابقون فلا يذكرهم أحد.
الأمر لا يقتصر على المقاتلين بالطبع، فقد خلَّفت الثورة السورية أرقاماً مهولة من الجرحى لا يدَّعي أحد أنه يمتلكها، وإن كانت الإصابات في صفوف العسكريين مرتفعة؛ فإن الإصابات في صفوف المدنيِّين تزيد عنها كثيراً، فالقصف الذي جعلته قوات الأسد منهجاً لها في التعامل مع المناطق الثائرة التي تشمل كل سوريا تقريباً، لا يفرِّق بين مقاتلٍ ومدنيٍّ، ولا بين صغيرٍ وكبير، فالجميع تستهدفه الصواريخ، وكثيرٌ يُدفَنون تحت الأنقاض، ومَن يخرج منهم وقد بقي على قيد الحياة، لا يسلم من الإصابات التي غالباً لا يستطيع تحمُّلَ كُلفة علاجِها.
وبينما تتعالى الأصوات لدعم المقاومة السوريَّة بالسِّلاح، وتستمر النداءات لتوفير المعونات للاجئين، لا تبدو دعوات علاج الجرحى كأنها موجودة أو مسموعة، فالمستشفيات الميدانية تعمل في صمت داخل سوريا في ظل نقص للدواء ووسائل العلاج، والمراكز الصحية التي أقامتها الدول في مواقع تجمع اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري لا تستطيع القيام بكل ما يلزم، لتُضَافَ مأساة الجرحى إلى المآسي التي يعيشها الشعب السوري؛ نتيجة تعنت نظامٍ لم يترك للعقل مكاناً، وأطلق آلته العسكرية المجنونة لتقتل أبناء شعبه كأنهم العدو الذي يجب أن يفنى.
لعله حان الوقت للالتفات للجرحى السوريين الذين فقدوا أطرافهم وعيونهم، ويعانون من إصابات وجراح نتيجة حلمهم بالحرية في بلادهم، ولعله حان الوقت لبدء تسليط الضوء عليهم بعد تجاهلٍ استمر لنحو عامين، فهم لن يختفوا ولن تقلَّ أعدادهم، بل، وكما يبدو الوضع في سوريا، أعدادهم مرشَّحة للازدياد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤١٩) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٦-٠١-٢٠١٣)