لم تكن توجيهات خادم الحرمين الشريفين للوزراء والمسؤولين حين قال: «لا عذر لكم في أي تقصير بعد اليوم»، غامضة، بل واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. ولا كانت تلك التوجيهات الكريمة، التي وجهها الملك في أكثر من مناسبة، مستعصية على التنفيذ، تأسيساً على الميزانيات الضخمة التي ترصدها الدولة لدفع عجلة التنمية. فبدءاً من بعض مشاريع الطرق التي تعاني العشوائية وتدني الجودة، وتأخر التنفيذ، ومروراً بمشاريع المدارس والمراكز الصحية والمنشآت البلدية، ووصولاً إلى مشاريع الصرف الصحي وتصريف السيول، أنهك الفساد أنفاس المواطن، حتى بات يترقب فاجعة مع أي صباح أو مساء، وينتظر معاناة من نوع ما يدفع ثمنها غالياً، من دمه ومن حياته.
فالخسائر التي تحلّ بالمواطنين في قرى ومدن عديدة في أنحاء المملكة بات من الصعب حصرها، وجميعها تحدث لأسباب متكررة، لكنها تتسبب في معاناة كبيرة، وتشكل عبئاً على ميزانيات الإعانات والتعويضات التي تضطر الدولة إلى تحمّلها، بأكثر من صورة. ولعل السيول الجارفة أسوأ تجربة يمرّ بها المواطن في أكثر من منطقة، وآخرها سيول تبوك، ومن قبلها سيول جدة. فالخسائر لا تتوقف عند حد الممتلكات، التي تتعرّض غالباً للتلف الكامل جراء تلك السيول، بل تتعداها إلى الخسائر البشرية التي عادة ما تكون أعمق أثراً وأشد ألماً وأفدح كلفة.
ولو وضعنا توجيهات الملك أمام هذه الأزمات المتكررة، وحاولنا أن نفهم السبب، في ضوء اهتمام الدولة بتيسير حياة المواطن بشتى الطرق، لتوصلنا إلى معادلة مذهلة: فإما أن التوجيهات لا تُفهم على النحو المقصود منها تماماً، وهو أمر يصعب تصوره استناداً إلى وضوحها كما أسلفنا. وإما أن يكون الفساد مستشرياً بمعدلات يصعب السيطرة عليها، وهو أمر مرجح استناداً إلى تقارير الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، التي لا يمضي يوم واحد إلا وترد تقاريرها عن وجود تقصير ما، أو فساد وسوء استغلال للمناصب. ومن ثم يتطلب الأمر مراجعة حاسمة على صعيد بعض القيادات الإدارية التي لا تعي كنه تلك التوجيهات ومدى أهميتها.
وأياً كانت التأويلات لهذا الواقع، فلاشك أنها لا تتّسق مع توجّهات القيادة التي لا تقبل أن يتلقف مواطنوها كوارث يمكن تداركها بشيء من الإخلاص والعمل الجاد والأمانة التي تضع أموال الدولة في مكانها الصحيح، وتأخذ في الاعتبار مصلحة الوطن والمواطن. إن الدولة وهي تنفق كل هذه الميزانيات الهائلة لا تنتظر من كل مسؤول إلا أن يراعي أمانته الوظيفية، ويرعى مواطنيه بالشكل الذي تريده الدولة ويرجوه قائدها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٢٥) صفحة (١٩) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٣)