ثمة جدل واسع حول مفهوم «هيبة الدولة»، أي دولة، زاد بعد حقبة الربيع العربي الذي عصف بكثير من المفاهيم وطمر جزءاً مهماً من هاجس الخوف الذي أطبق على المواطن العربي كلما مرت سيارة شرطة بجانب منزله. وما حدث في مصر في الآونة الأخيرة يقدم انطباعاً «دسماً» عن تمرغ هيبة الدولة في الوحل عندما تم طرد وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم من تشييع اثنين من ضباط وزارته في بور سعيد قبل خمسة أيام على خلفية الأحداث التي شهدتها المنطقة بُعيد إصدار أحكام الإعدام على مجموعة متهمين نسبت إليهم المحكمة مسؤولية التسبب في مقتل عشرات في ملعب كرة القدم.
لكن هيبة الدولة لا تقف عند حد طرد وزير داخلية هنا أو رمي البيض الفاسد على وزير خارجية هناك. فالدولة القوية الواثقة من نفسها لا تهزّها مثل هذه الحوادث الاستثنائية، بقدر ما تعبّر عمليات رمي الأحذية والبيض والطماطم عن حالة أكبر من الفعل بكثير، وهو الموقف العام من النظام السياسي. فلماذا يفترض أن هيبة الدولة تتضرر مع إلقاء أول بيضة فاسدة على رأس مسؤول كاذب؟!
خلال عقود من الزمن، عاش المواطن العربي، ولايزال، معاناة غير مسبوقة مع أنظمته السياسية التي مارس كثير منها الكذب والتدليس والفساد الإداري والمالي، وغطته بأجواء الرعب والخوف من كل شيء حكومي، حتى أصبحت البلدان العربية، التي تتمتع بثروات طبيعية حباها بها الله، إلى ما يشبه العالة المجتمعية على بلدان العالم، بعد أن كانت في محطات تاريخية منارة تقدم النماذج الناجعة للتنمية والعدالة والمواطنة المتساوية. فلم يشهد التاريخ انحداراً مماثلاً لما تشهده المنطقة العربية في الوقت الراهن على مستويات عدة أهمها الجانب الاقتصادي والسياسي وحقوق الإنسان. فقد انتشر الفقر والمرض والبطالة والعوز وتآكل البنى التحتية من تعليم وتطبيب وخدمات عامة، بل إن بعض الأنظمة العربية حوّلت أراضي بلدانها إلى مقبرة لدفن النفايات السامة بما فيها النفايات النووية. أما البطالة فحدِّث ولا حرج، وهي في منحى متصاعد بسبب الفشل المستمر وانعدام الاستراتيجيات التي من شأنها إحداث النقلة المطلوبة في مستوى معيشة المواطن، التي بلغت مستويات متدنية تتنافس مع أفقر دول العالم. هذا الفشل قاد إلى تناسل أزمات الإسكان التي لا يجرؤ نظام عربي على القول إنه قدم لها حلولاً ناجعة، في الوقت الذي يقف فيه أكثر من نصف المواطنين، على الأقل، في طوابير الفرج بانتظار أن يحنّ النظام عليهم بشيء من الفتات.
وفي الدولة الريعية المتشبعة بالفساد بجميع أشكاله، يُداس القانون في كل لحظة، بينما يُساق المواطن العادي إلى أقرب مركز شرطة مصحوباً بكل أنواع الهراوات والسباب والشتائم التي لا تليق ببشر.. وكل ذلك تحت يافطة الحفاظ على أمن الدولة والسلم الأهلي. ويتحول القضاء والقوانين في خدمة النظام الذي يتفنن في رفع الشعارات الغرائزية التي تستنفر كل ما هو حيواني مفترس في الإنسان ليتم استخدامه ضد إنسان آخر. ولهذا دخلت عديد من البلدان العربية موسوعة «جينس» من أوسع أبوابها في مجال التعذيب. فقد أبدعت النظم الأمنية العربية ما عجزت عنه أمم كثيرة في هذا الحقل، حيث يتم ربط الماضي بالحاضر بالخيال المستقبلي إزاء كيفية تعذيب مواطن انتقد نظامه السياسي.
لقد قادت الأنظمة العربية بلدانها من نكبة إلى نكسة، وأصبح الفشل الذريع هو السمة الرئيسة لأدائها، لكنها لا ترى هي هذه الحقيقة وتعمل على نقل الفشل إلى جسد المواطن من خلال إعمال الخيال الجهنمي وحياكة روايات الأسطوانات المشروخة التي فهمها المواطن العادي وعرف مغزاها حتى قبل إطلاقها في النسخ الجديدة.
وعندما يجد النظام نفسه محشوراً بين نتائج فشله العام، ينزّل شعاراً ويرفع آخر، ومنها الحفاظ على هيبة الدولة.
إن المكون الرئيس للدولة هو الشعب، ولا هيبة لدولة يفقد شعبها هيبته، فمن الطبيعي أن تفقد حكومة الدولة هيبتها عندما تصادرها من المكون الرئيس لها، أما تمريغ الحكومة في وحل الانتقاد والتسفيه وحتى رمي البيض الفاسد أو الأحذية في وجه أحد مسؤولي الحكومة، فإنه لا يصيب هيبة الدولة بأذى بقدر ما يعبّر عن موقف غير مسؤول ومتشنّج من سياسة هذا المسؤول أو ذاك، وردة الفعل التي تأتي على هذا الطراز تعكس الكيل الذي طفح. فمصر لم تفقد هيبتها لأن شعبها لم يلتزم بقرار الرئيس المخلوع حسني مبارك بفرض حظر التجول، بل كانت مصر أيام ثورة 25 يناير ترتقي للعلا لأنها أسقطت طاغوتاً من طواغيت العصر، ومن أجل استعادة الكرامة المهدورة واستعادة الثروة المنهوبة والحفاظ على ما تبقى منها، وإعادة الاعتبار لشعبها الذي مُورست عليه شتى صنوف الإهانة من قِبل قلة مارقة سطت على الحكم.. وهذا حال كثير من البلدان العربية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٢٥) صفحة (١٩) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٣)