كأنما هي سحابة كثيفة أطبقت على المكان، وكأني برئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي البرتغالي السيد أنطونيو قد أصابه ضيق في التنفس وهو يهم بإلقاء كلمته، أمام مؤتمر الاشتراكية الدولية يوم الرابع من فبراير الجاري في (كشكاش) إحدى ضواحي العاصمة لشبونة، عن ورطة البرتغال وغرقها في تداعيات الأزمة المالية التي عصفت بالعالم منذ قرابة أربع سنوات. كان السيد أنطونيو يتحدث وفي رأسه تدور الدوائر لتستقر في أثينا المفلسة بفعل سياسة البنك المركزي الأوروبي حسب ما جاء في خطاب وزير المالية اليوناني السابق، وحسب خطاب رئيس وزرائها الأسبق ورئيس الاشتراكية الدولية جورج باباندريو.
لكن البرتغال الرازحة تحت وطأة الدَّين والبطالة والفقر تبحث عن منقذ حقيقي لاقتصادها المتعثر. ففي تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبي يؤكد أن انكماش الاقتصاد البرتغالي سيواصل انكماشه، وأن الدين العام سيصل في 2013 إلى أكثر من 120% من إجمالي الناتج المحلي في 2013 مقابل نسبة 114.5 في عام 2012، فيما يؤكد صندوق النقد الدولي أن النسبة هذا العام ستصل إلى 122%. وتتوقع المنظمة أن يصل العجز إلى 2.2% العام الجاري مقابل 4% عام 2012. ويعاني الاقتصاد البرتغالي من حالة متقدمة من الانهيار على غرار الاقتصاد اليوناني، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد سوف يحقق نمواً مقداره 2% في عام 2015. في هذا الوقت لم يتردد معلمو وأساتذة البرتغال في النزول للشارع ليعبّروا عن سخطهم من تقليص ميزانية التعليم بمقدار مليار يورو هذا العام، مؤكدين أن خطوة كهذه «سوف تقضي على التعليم والأمة»، بينما يبشر الرئيس البرتغالي أنيبال كافكو سيلفا مواطنيه بأن ميزانية العام الجاري «ستؤدي إلى انخفاض كبير في دخل المواطنين، سواء عن طريق زيادة كبيرة في الضرائب أو تخفيض الإعانات الاجتماعية». هذا التصريح يستند على تقارير تفيد بأن الفقر والتهميش يطال نحو 25% من البرتغاليين، فيما تفعل البطالة فعلتها في 19% من العمالة الناشطة و39% من الشباب. ويتوقع أن توفر موازنة التقشف للعام الجاري نحو 5.3 مليار يورو، منها 80% من الزيادات الجديدة على الضرائب.
كل هذه المعطيات كانت أمام المؤتمرين الذين بلغ عددهم نحو 500 مشارك في مؤتمر الاشتراكية الدولية، وجاؤوا من أكثر من 150 دولة ليتحدثوا ويناقشوا تحت شعار «الاقتصاد العالمي.. رؤيتنا للنمو.. فرص العمل والتطور الدائم». لذلك كان الحديث عن الاقتصاد والانهيار والإفلاس يحلق على رؤوس المشاركين لدرجة أن الابتسامة كانت نادرة في مؤتمر يفترض أن يكون مجالاً لمزيد من المعرفة. فالوضع الاقتصادي لم يكن مفاجأة للاشتراكية الدولية التي حدّدت عنوان المؤتمر منذ زمن ليس بقصير. بيد أن الكارثة أكبر من الجميع، وهو ما أكد عليه الأستاذ الجامعي ومعلم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، السيد «ريتشارد باركر»، من أن «أوباما ليست لديه أجوبة على قضايا الأزمة بقدر ما حدد مقدار التحدي لإيجاد الفرص»، وأن «التحدي أكبر من أوباما وأمريكا معاً»، مشيراً إلى أن العالم قد تغير مع صعود قوى جديدة، فيما تواجه أمريكا تداعيات تدخلاتها في كل من العراق وأفغانستان، التي كلفتها 3.5 تريليون دولار أمريكي. وأكد باركر أن «أولوية أوباما حالياً اقتصادية لكنها ليست محلية بل عالمية».
اللافت في الأمر أن المتحدثين في المؤتمر صبّوا جام غضبهم على البنك المركزي الأوروبي وعلى صندوق النقد والبنك الدوليين، اللذين يفرضان سياسة مالية تقشفية وفوائد لا طاقة للاقتصادات المتعثرة على التعاطي معها. فقد سمعت في خطابات افتتاح المؤتمر كلمة الديون عشرات المرات، وأن أحد المتداخلين ردد كلمة «دين» عشرين مرة، ما يعكس حجم الفزع الذي ينتاب جنوب أوروبا من تبعات القروض التي تفرض عليها.
هل تسير البرتغال على خطى اليونان في عملية الإفلاس؟
المؤشرات تؤكد أن التعثر الاقتصادي البرتغالي يسير بخطى حثيثة نحو مصير اليونان، بدليل الموازنة العامة والسخط الكبير والاتهامات التي يوجهها البرتغاليون لمنطقة اليورو، حيث يشير كثير من السياسيين بمن فيهم الشباب، إلى أن تفاقم البطالة كان بسبب دخول البرتغال منطقة اليورو التي ضغطت على لشبونة للتخلي عن سياستها في قطاعي الزراعة وصيد الأسماك، حتى تدهور القطاعان بطريقة دراماتيكية، لدرجة أن أسطول الصيد البحري البرتغالي يعاني من الشيخوخة، حيث يصل متوسط عمر سفنه إلى 23 سنة، مقابل الأساطيل الأوروبية الحديثة كما هو الحال مع إسبانيا التي تمتلك أسطول صيد بحرياً يبزّ نظيره البرتغالي، ما يعني خروج الأخير من المنافسة. وهذا أمر محزن لدولة مثل البرتغال كانت تتمتع بأسطول بحري حربي احتلت به مناطق عديدة ما وراء البحار وبنت القلاع التي تشبه قلاع (كشكاش) في الخليج كما هو الحال مع قلعة البرتغال في البحرين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٣٢) صفحة (١٩) بتاريخ (٠٨-٠٢-٢٠١٣)