تكشف الأحداث الأخيرة في مصر أن «النكاية» و«مخالفة الآخر» باتت الدافع الأول وراء عديدٍ من المواقف السياسية، ويتساوى في ذلك معسكرا الموالاة والمعارضة، وهو ما أدى إلى توجيه المواطنين اتهامات إلى كلا المعسكرين بالتناقض والسعي إلى تشويه المنافس أولاً.
كمثال، أصرَّ حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان المسلمين في مصر، على تغيير حكومة الدكتور كمال الجنزوري، قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية، في الوقت الذي دعت فيه المعارضة إلى إبقائها حتى انتخاب رئيسٍ، والآن تبادل الطرفان الأدوار، إذ تصر المعارضة على تغيير حكومة الدكتور هشام قنديل، فوراً وتشكيل حكومة إنقاذ وطني أو «وحدة وطنية»، فيما يطالب الإخوان بعدم العجلة، والانتظار حتى الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي قد تُجرَى قبل الصيف.
وأيضاً، يتهم مناهضون للرئاسة محمد مرسي بـ «الضعف وعدم القدرة على إدارة أجهزة الدولة»، ثم بعد أيام يهاجمونه لأنه «ديكتاتور جديد، يعصف بالمعارضة والحريات»، أما المثال الأكثر وضوحاً فيتعلق بأحكام القضاء، فإذا صدر حكم لصالح طرف يقول «لا أعلق على أحكام القضاء فهو مستقل» وإذا تضرر منه هاجم القضاة، وتحدث عن تبعيتهم لخصمه.
وهكذا تقريباً ومع كل حدث نجد أن الموالين والمعارضين يتبادلون المواقف والكلمات، وهي مسألة تصيب الرأي العام بالحيرة، وتشيع حالةً من التضارب والارتباك، مبعثها أن السياسي لا ينظر إلى الأمور بمعيار ما هو منطقي وما هو في مصلحة الوطن، وإنما وفقاً لمدى استفادته والضرر الواقع على الخصم.
تحتاج القوى السياسية في مصر إلى دفع تهمة ازدواج المعايير عنها، وتبنّي مواقف متّسقة سياسيا وأخلاقيا، حتى لا تُتَّهم بتقديم مصالحها الفردية وأهواء زعمائها على مصلحة الوطن والمواطن في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، أما إصرار الطرفين على ممارسة ما يمكن تسميته بـ «النكاية السياسية» فمن المحتمل أن ينسف ما تبقّى من رصيدها لدى الشارع الذي تزعم دائماً أنها تحترم ذكاءه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٣٥) صفحة (١٩) بتاريخ (١١-٠٢-٢٠١٣)