بينما كنت أراقب الثلج يتساقط في منطقة «جاردينورد» الباريسية، إذ بسيارة كبيرة تتوقف أمام الفندق الذي أقطن. زادني الفضول لمعرفة طبيعة هذه السيارة «الضخمة» المثبتة في سقفها لوحة إشارة التاكسي. نزل سائقها وفتح الباب الجانبي الخلفي وضغط على زر صغير فنزل سلم كهربائي منها حتى لامس الأرض ووقف ينتظر الزبون الذي سيصعد. لحظات وإذا بكرسي كهربائي يحركه رجل ضخم البنية (أوروبي) يتدلى من رقبته أنبوب وفي يده غرزت إبرة مغذية، ترافقه امرأتان آسيويتان في منتصف الثلاثينيات، واحدة أظنها من الهند والأخرى من اليابان، تسيران برفقة الرجل وكرسيه وتستعدان لمساعدته على الصعود إلى سيارة التاكسي المجهزة. استدار الرجل بكرسيه ورجع للوراء وركب على السلم الكهربائي بكرسيه فتحرك السلم ليدخله السيارة. حدث هذا في لحظات ودون مساعدة لا من السائق ولا من المرافقتين.
فضولي قادني إلى السؤال عن حالة الرجل، خصوصا أنه يسكن في نفس الفندق. كان الرجل المقعد قد خرج للتو من المستشفى بعد أن أجريت له عملية في قصبته الهوائية واحتاج إلى فترة نقاهة، فكانت المؤسسة الخيرية التي تنتمي إليها الفتاتان، جاهزة لتقديم المساعدة بهدوء وصبر ومحبة. لم يكن الرجل المريض في موقف يحسد عليه لأحسده، فقد كان جسمه مطرزا بالإبر وأكياس الخروج وكل ما يمكن أن يخطر على بالنا، وكأنه لم يغادر المستشفى، حيث يقوم الكرسي الكهربائي بفعل عظيم يغني عن مد الفتاتين أيديهما للمساعدة، فقد كانتا تراقبان المشهد عن كثب وتتحدثان للسائق الذي كان يهم بالمساعدة التي لم يكن المريض بحاجة إليها، نظرا للتقنية المتطورة في السيارة والكرسي معا.
لم ألاحظ نظرات شفقة لا من الفتاتين ولا من السائق، وكان المريض كلما أنجز مرحلة في الحركة يوجه ابتسامة مستقيمة تذهب للواقف أمامه، فهو لا يستطيع تحريك رقبته، وهو أيضا لم تعجبه نظرات الشفقة التي بانت على وجهي وأنا أنظر إليه.
بعد أن تحركت سيارة الأجرة، سرحت في حال سيارات الإسعاف لدينا في أغلب البلدان العربية، وليس في سيارات الأجرة.
فالأخيرة لا تعد سيارة أصلا في البلدان التي تقاتل من أجل زيادة عدد السياح لديها من مختلف أنحاء العالم لتضاعف حركة السوق الداخلي، كما هي فرنسا التي تضج فنادقها بالأجانب من كل حدب وصوب، ولا تتوقف حركة الحجوزات طوال اليوم، فقوافل القادمين للفندق الذي كنت أقطنه تستمر منذ الصباح الباكر حتى منتصف الليل. هذا الموقف هو الذي أثار لدي حسدا شديدا.
فرغم الطقس الباريسي القارس والثلج المتساقط في الطرقات، فإن السياح لا يتوقفون عن القدوم لهذه المدينة العتيقة المشهورة برائحة قهوتها وسجائرها وقطع «الكرواسون» الطازجة التي يتناولها زبائن المقاهي المنتشرة في مناطق باريس الكبيرة، من اللوفر حتى الشانزلزيه إلى سانت جرمان.
هذا المشهد قابله مشهد آخر، لكنه مؤلم. ففي الساحات الفاصلة بين إشارات المرور وخطوط المشاة، ثمة فتحات في الأرض تبعث أبخرة دافئة، وجدت مجموعة من الوجوه المتعبة التي طرز الفقر تضاريسها، تتحوط إحدى هذه الفتحات لتنال قسطا من الدفء وإلى قربها بعض الحاجيات المبعثرة في أكياس كأنها فرش بالية للنوم عندما ينتصف الليل وتهدأ الأحياء غير الصاخبة.
تساءلت عن هؤلاء، فقيل لي إنهم الغجر «جبسس»، الذين يرتحلون إلى أماكن عدة في فرنسا.
تذكرت سائق التاكسي الذي أخذني من مطار لشبونة إلى الفندق، حين سألته عن أزمة السكن والبطالة في البرتغال، ولم يتردد في الإجابة بغضب مسيطر عليه: أن سبب أزمة السكن في البرتغال هم الغجر الذين تبني لهم الحكومة تجمعات سكانية على حساب الشعب البرتغالي!! والبرتغال هي الدولة التالية المرشحة للسقوط في براثن صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، وتعاني من نسبة بطالة عالية وأزمات معيشية أشرنا لها في مقال الأسبوع الماضي، بيد أن فرنسا التي تأتي بعد ألمانيا في منطقة اليورو من حيث القوة الاقتصادية، تعاني هي الأخرى من إرباكات اقتصادية ومالية. فقد تراجعت الزراعة فيها بمقدار 20% خلال السنوات القليلة الماضية، وزاد الاعتماد على اقتصاد الخدمات الذي يتخوف منه السياسيون والاقتصاديون بأ يتحول إلى فقاعة اقتصادية تعصف بالبلاد في أي منعطف سلبي يصيب الاقتصاد العالمي.
صحيح أن فرنسا اليوم دولة جاذبة للعمالة اليونانية والبرتغالية بسبب البطالة هناك، وحيث الحد الأدنى للأجر الشهري في البرتغال هو 370 يورو، وهو المبلغ الذي تقدمه فرنسا للمعونة الاجتماعية للعاطلين عن العمل بينما الحد الأدنى للأجور فيها يبلغ 1400 يورو، لكنها فرنسا المتعبة بسبب تدخلها في مالي أيضا.
بين باريس الرجل المقعد بكرسيه الكهربائي وسيارة الأجرة «الإسعاف» وباريس مدفأة الغجر، تناقضات رأسمالية كبرى.. لكنها تبقى باريس الجميلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٣٩) صفحة (١٩) بتاريخ (١٥-٠٢-٢٠١٣)