كانت تونس أولى بلدان الربيع العربي، أسقط التونسيون نظامهم السابق خلال فترةٍ قصيرة ودون إراقة دماء، بدا للمراقبين أن الثورة انتصرت وأن نظاماً جديداً سينهي مشكلات التونسيين المزمنة وخاصة الشباب منهم.
لكن هذا البلد الذي أُنجِزَ التغيير فيه منذ عامين تتطور أحداثه وتتسارع فيما يبدو أن أخطاراً جدية بدأت تهدد عملية انتقال السلطة فيه، فبعد أن بدأت الخلافات السياسية تتجه نحو مربع العنف والقتل، تصاعد الشقاق ليس بين الأطراف المتعارضة سياسياً وأيديولوجياً فحسب بل ضمن الائتلاف الحاكم وحتى داخل حركة النهضة نفسها. وبحسب مراقبين تونسيين، فإن الخلاف بين رئيس الحكومة حمادي الجبالي وقائد حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي، وصل إلى مرحلة تكسير العظام، ما يمثل تهديداً للوحدة التي تقود الائتلاف الحاكم ومستقبلها السياسي.
كل هذا تزامن مع تصعيدٍ خطير من قِبَل عناصر جهادية بدأت في تسيير دوريات لحفظ الأمن في عدة مناطق تونسية، وهو ما دفع ناشطين سياسيين من التحذير من خطورة ما قد يحدث إذا تُرِكَ هؤلاء يتصرفون على هواهم وحسب رغباتهم، راسمين معالم سلطة جديدة، ووُجِّهَت الاتهامات لوزارة الداخلية بالتراجع عن أداء مهامها أمام هؤلاء بل وصل البعض إلى حد اتهام الوزارة بالتواطؤ معهم، وبدأت تتعالى صيحات التونسيين، ومن بينهم رفيق درب الغنوشي، عبدالفتاح مورو، مطالِبةً إياه بالرحيل وتجنيب البلاد كارثة.
يرى مراقبون للشأن التونسي أن هذه الخلافات التي بدأت تدخل دائرة التحدي وفرض السلطة بالقوة والعنف تسير بالبلاد نحو كارثة محققة طالما أن القيادات السياسية لم تتفق على شكل إدارة المرحلة الحالية وطالما أن السياسيين يتمادون في استخدام الشارع للتعبير عن رؤاهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤٠) صفحة (١٩) بتاريخ (١٦-٠٢-٢٠١٣)