يشعر المتابع للأحداث في مصر أن الشعب هناك انقسم إلى فريقين، «الإسلاميين» على اختلاف مسمياتهم وقناعاتهم، و»المدنيين» وإن تنوعت مرجعياتهم، فهل يعني هذا الشعور الأوَّلي أن غالبية المصريين ينتمون إلى هذا الفريق أو ذاك؟
بالطبع لا، الأرقام تقول إن عدد من شاركوا في الاستفتاء على الدستور المصري بلغ نحو 17 مليوناً بنسبة تقلّ عن 40% من إجمالي من يحق لهم التصويت، وعددهم خمسون مليوناً.
لذا يمكن القول إن هذه الملايين التي أحجمت عن الإدلاء برأيها هي كتل ضخمة لا تنتمي لأيٍ من القطبين الأبرز على الساحة السياسية ولا تميل إليهم، فالتنظيميون والمتفاعلون وحتى المتعاطفون لا يتركون استحقاقاً إلا وشاركوا فيه، الأمر الذي يعني أن الساحة في مصر مهيأة لاستقبال لاعب جديد.
نعم، يبدو أن مصر تحتاج إلى طريقٍ ثالث، وهذا الطريق هو تجمع يدافع عن مصالح قطاعات واسعة من المواطنين دون انغماس في التجاذبات الأيديولوجية، ويعبر عن الكتلة غير المسيّسة من الشعب، يمقت الخلاف بطبيعته ويبتعد عن «الكلام في السياسة»، قد يتابع نجومها عبر وسائل الإعلام لكنه يتحاشى الانخراط فيها، فلديه من المشكلات الحياتية ما يكفيه.
يدرك الجميع أن ممارسة الديمقراطية تعتمد على وجود اليمين واليسار، وعلى الخلاف الذي يفضي إلى تنافس ومن ثمَّ إلى محاولة كل فصيل طرح أفضل حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية حتى ينتصر في الانتخابات، ولكن إذا تحول التدافع بين اليمين واليسار إلى «تطاحن» قد يُغرق البلاد في فوضى، فإن هناك حاجة ولو مرحلية إلى إيجاد مساحة وسط للممارسة السياسية لإحداث التوازن وفض الاشتباك، ستضم هذه المساحة قطاعات واسعة من أصحاب المصالح الحقيقية والمهنيين والتكنوقراط، هذه القطاعات التي تضررت من نزاعات السياسيين قد تقرر أن تتحول إلى رقم صعب في المشهد السياسي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤١) صفحة (١٧) بتاريخ (١٧-٠٢-٢٠١٣)