حين يتحوّل العلاج إلى داء على وزن ما حدث للطفلة رهام الحكمي؛ فإن المنظومة العلاجية، كلها، تُصبح في محلّ شكٍّ خطير لدى المستفيدين من الخدمات الصحية برمّتها. وقد يكون ما حدث في مستشفى بعيد جنوب البلاد حالة فرديةً، أو خطأً وقع في وحدة صغيرة من بين مئات الوحدات المنتشرة في منشآت الصحة، وقد تكون الإجراءات التي اتخذتها الوزارة بحق من اعتبرتهم مسؤولين عن المشكلة جزءاً من الحلّ.
قد يكون كلّ ذلك منطقياً، ولكن اهتزاز الثقة في موثوقية الخدمات الطبية وقع بالفعل، وما تواجهه وزارة الصحة هو زلزال بالمعنى الحرفيّ، خاصة مع موجة الغضب الشعبي التي كشفت عنها مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الاتصال. وموثوقية الخدمة إنما هي «قيمة»، والقيمة تُبنى بناءً، ويحتاج بناؤها إلى سنوات طويلة. وحين يحدث خطأٌ، مثل خطأ رهام، فإن أقلّ ما يحدث لها هو الانهيار الذي يحتاج إلى سنواتٍ جديدة من إعادة البناء.
ووزارة الصحة أمام امتحان كبير لتستعيد مصداقيتها، إدارياً وفنياً، وهذا الامتحان يفرض مشروعاً كبيراً جداً، بحجم احتياج المواطن البسيط الذي ينتظر من منشآت الوزارة أن تقدم له العلاج الموثوق فيه في أي مكان من البلاد، ومن دون أن يقلق من خطأ طبي، أو لبس تشخيصي أو إجراء غير آمن.
المشروع يشمل الهيكلة، والإجراءات، والمنشآت، والآليات، من أجل بناء منظومة قيم حقيقية، وفعلياً تحول دون وقوع الأخطاء الفادحة. إن ما يحتاجه المواطن البسيط هو الحصول على الخدمة التي بذلت لها الدولة تكاليف مليارية هائلة بلا توقف ولا تردد.
وزارة الصحة مطالبة بإعادة النظر في استراتيجياتها وآليات تطبيق سياساتها التي يجب أن تؤسس على «الموثوقية» والجودة والسرعة. إنها الوزارة التي تتحمل أمانة هائلة على عاتقها، إنها حياة الناس وصحتهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم. والزلزال الذي أحدثته قضية رهام كافٍ لإيقاظ هذه المؤسسة الضخمة المترامية لتصحح أخطاءها الكبيرة، وتنفض عنها جمود البيروقراطيات والترتيبات التي سمحت بوقوع خطأ رهام.
لا يمكن لمنطق المحاسبة أن يحصر قوته في جزء صغير جداً من منظومة العمل، المحاسبة مسؤولية كبيرة جداً، وعلى الوزارة أن تعترف بخطئها كما اعترف الموظف البسيط بما ارتكبه من خطأ. ننتظر من الوزارة أن تكون بمثل شجاعة الفني الصغير الذي لم يسمح له ضميره بأن يصمت على الخطأ الذي وقع فيه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤٣) صفحة (١٩) بتاريخ (١٩-٠٢-٢٠١٣)